جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يا حسرتا عَلَىَ مَا فَرّطَتُ فِي جَنبِ اللّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾.
يقول تعالى ذكره : وأنيبوا إلى ربكم، وأسلموا له أنْ تَقُولَ نَفْسٌ بمعنى لئلا تقول نفس : يا حَسْرَتا على ما فَرّطْتُ في جَنْبِ اللّهِ، وهو نظير قوله : وألْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسي أنْ تَمِيدَ بِكُمْ بمعنى : أن لا تميد بكم، فأن، إذ كان ذلك معناه، في موضع نصب.
وقولهّ : يا حَسْرَتا يعني أن تقول : يا ندما، كما :
حدثني محمد بن الحسين، قال : ثني أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السدي، في قوله : يا حَسْرَتا قال : الندامة.
والألف في قوله يا حَسْرَتا هي كناية المتكلم، وإنما أريد : يا حسرتي ولكن العرب تحوّل الياء في كناية اسم المتكلم في الاستغاثة ألفا، فتقول : يا ويلتا، ويا ندما، فيخرجون ذلك على لفظ الدعاء، وربما قيل : يا حسرة على العباد، كما قيل : يا لهف، ويا لهفا عليه وذكر الفراء أن أبا ثَرْوانَ أنشده :
| تَزُورُونَها وَلا أزُورُ نِساءَكُمْ | أَلَهْفِ لأَوْلادِ الإماء الحَوَاطِبِ |
| يا رَبّ يا رَبّاهِ إيّاكَ أَسَلْ | عَفْرَاءَ يا رَبّاهُ مِنْ قَبْلِ الأجَلْ |
وقوله : على ما فَرّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ يقول : على ما ضيعت من العمل بما أمرني الله به، وقصرت في الدنيا في طاعة الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد، في قوله : يا حَسْرَتَا على ما فَرّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ يقول : في أمر الله.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : على ما فَرّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ قال : في أمر الله.
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، في قوله : على ما فَرّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ قال : تركت من أمر الله.
وقوله : وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ يقول : وإن كنت لمن المستهزئين بأمر الله وكتابه ورسوله والمؤمنين به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله : أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا على ما فَرّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ قال : فلم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل يسخر بأهل طاعة الله، قال : هذا قول صنف منهم.
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ يقول : من المستهزئين بالنبي ﷺ وبالكتاب، وبما جاء به.