الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ : العامَّةُ على رفعِهما، وهي جملةٌ مِنْ مبتدأ وخبرٍ. وفي محلِّها وجهان، أحدهما : النصبُ على الحالِ من الموصولاتِ ؛ لأنَّ الرؤيةَ بَصَرِيَّةٌ، وكذا أَعْرَبَها الزمخشريُّ. ومِنْ مذهبِه أنه لا يجوزُ إسقاطُ الواوِ مِنْ مثلِها إلاَّ شاذَّاً، تابعاً في ذلك الفراءَ فهذا رجوعٌ منه عن ذلك. والثاني : أنها في محلِّ نصبٍ مفعولاً ثانياً ؛ لأنَّ الرؤيةَ قلبيةٌ. وهو بعيدٌ لأن تَعَلُّقَ الرؤيةِ البصريةِ بالأجسام وألوانِها أظهرُ مِنْ تعلُّقِ القلبيةِ بهما. وقُرِئ " وجوهَهم مُسْودَّة " بنصبِهما، على أنَّ " وجوهَهم " بدلُ بعضٍ مِنْ كل، و " مُسْوَدَّةً " على ما تقدَّم من النصبِ على الحال أو على المفعولِ الثاني. وقال أبو البقاء :" ولو قُرِئ " وجوهَهم " بالنصب لكانَ على بدلِ الاشتمالِ ". قلت : قد قُرِئ به والحمدُ لله، ولكنْ ليس كما قال على بدلِ الاشتمال، بل على بدلِ البعضِ، وكأنه سَبْقُ لسانٍ أو طغيانُ قَلَم. وقرأ أُبَيٌّ " أُجوهُهم " بقلبِ الواوِ همزةً، وهو فصيحٌ نحو :﴿أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] وبابِه.