تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى : وما قدر المشركون الله حق قدره، حين عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته.
قال مجاهد : نزلت في قريش. وقال السدي : ما عظموه حق عظمته.
وقال محمد بن كعب : لو قدروه حق قدره ما كذبوه.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ](١) :﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله [ تعالى ](٢) عليهم، فمن آمن أن الله على كل شي قدير، فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره.
وقد وردت(٣) أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة، والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف.
قال البخاري : قوله :﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ حدثنا آدم، حدثنا شيبان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود(٤) قال : جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال : يا محمد : إنا نجد أن الله عز وجل يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء(٥) والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع. فيقول : أنا الملك. فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ :﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية(٦).
و [ قد ](٧) رواه البخاري أيضا في غير هذا الموضع من(٨) صحيحه، والإمام أحمد، ومسلم، والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما، كلهم من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم عن عبيدة، عن [ عبد الله ](٩) ابن مسعود، رضي الله عنه، بنحوه(١٠).
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة، عن عبد الله، رضي الله عنه، قال : جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب، فقال : يا أبا القاسم، أبلغك أن الله [ تعالى ](١١) يحمل الخلائق على إصبع، والسموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع ؟ قال : فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه. قال : وأنزل الله عز وجل :﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى آخر الآية.
وهكذا رواه البخاري، ومسلم، والنسائي - من طرق - عن الأعمش(١٢) به(١٣).
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسين بن حسن الأشقر، حدثنا أبو كدينة، عن عطاء عن أبي الضحى، عن ابن عباس(١٤) قال : مر يهودي برسول الله ﷺ وهو جالس فقال : كيف تقول يا أبا القاسم : يوم يجعل الله السماء على ذه - وأشار بالسبابة - والأرض على ذه، والجبال على ذه وسائر الخلق(١٥) على ذه - كل ذلك يشير بإصبعه(١٦) - قال : فأنزل الله عز وجل :﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية.
وكذا رواه الترمذي في التفسير عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن محمد بن الصَّلْت، عن أبي جعفر، عن أبي كدينة يحيى بن المهلب، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، به (١٧)، وقال : حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
ثم قال البخاري : حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا الليث، حدثنا عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن : أن أبا هريرة(١٨)، رضي الله عنه، قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول : يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول : أنا الملك، أين ملوك الأرض ".
تفرد به من هذا الوجه(١٩)، ورواه مسلم من وجه آخر(٢٠).
وقال(٢١) البخاري - في موضع آخر - : حدثنا مُقَدَّم بن محمد، حدثنا عمي القاسم بن يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر(٢٢)، عن رسول الله ﷺ قال :" إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين على إصبع، وتكون السموات بيمينه، ثم يقول : أنا الملك ".
تفرد به أيضا من هذا الوجه(٢٣)، ورواه مسلم من وجه آخر(٢٤). وقد رواه(٢٥) الإمام أحمد من طريق أخرى بلفظ آخر أبسط من هذا السياق وأطول، فقال :
حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبيد الله بن مقسم، عن ابن عمر(٢٦) أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر :﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده، يحركها يقبل بها ويدبر :" يمجد الرب نفسه : أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم ". فرجف برسول الله ﷺ المنبر حتى قلنا : لَيَخِرَّن به.
وقد رواه مسلم، والنسائي، وابن ماجه من حديث عبد العزيز بن أبي حازم - زاد مسلم : ويعقوب بن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي حازم، عن عبيد الله بن مقسم، عن ابن(٢٧) عمر، به، نحوه(٢٨).
ولفظ مسلم - عن عبيد الله بن مقسم(٢٩) في هذا الحديث - : أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي النبي ﷺ، قال : يأخذ الله سمواته وأرضيه بيده ويقول : أنا الملك، ويقبض أصابعه ويبسطها : أنا الملك، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول : أساقط هو برسول الله ﷺ ؟.
وقال البزار : حدثنا سليمان بن سيف(٣٠)، حدثنا أبو علي الحنفي، حدثنا عباد المنْقرَي، حدثني محمد بن المنكدر قال : حدثنا عبد الله بن عمر [ رضي الله عنهما ](٣١)، أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية على المنبر :﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ حتى بلغ :﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فقال المنبر هكذا، فجاء وذهب ثلاث مرات(٣٢).
ورواه الإمام الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث عبيد بن عمير، عن عبد الله بن عمرو، وقال : صحيح(٣٣).
وقال الطبراني في المعجم الكبير : حدثنا عبد الرحمن بن معاوية العُتْبي، حدثنا حيان بن نافع بن صخر بن جويرية، حدثنا سعيد بن سالم القداح، عن معمر بن الحسن، عن بكر بن خُنَيْس، عن أبي شيبة، عن عبد الملك بن عمير، عن جرير(٣٤) قال : قال رسول الله ﷺ لنفر من أصحابه :" إني قارئ عليكم آيات من آخر سورة الزمر، فمن بكى منكم وجبت له الجنة " ؟ فقرأها من عند قوله :﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، إلى آخر السورة، فمنا من بكى، ومنا من لم يبك، فقال الذين لم يبكوا : يا رسول الله لقد جهدنا أن نبكي فلم نبك ؟ فقال :" إني سأقرؤها عليكم فمن لم يبك فليتباك ". هذا حديث غريب جدا (٣٥).
وأغرب منه ما رواه في المعجم الكبير أيضا : حدثنا هاشم بن مُرْثَد(٣٦)، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري(٣٧) قال : قال رسول الله ﷺ :«إن الله تعالى يقول : ثلاث خلال غَيَّبتُهُنَّ عن عبادي، لو رآهن رجل ما عمل سوءًا أبدا : لو كشفت غطائي فرآني حتى نستيقن ويعلم كيف أفعل بخلقي إذا أتيتهم، وقبضت السموات بيدي، ثم قبضت الأرض(٣٨) والأرضين، ثم قلت : أنا الملك، من ذا الذي له الملك دوني ؟ ثم أريتهم(٣٩) الجنة وما أعددت لهم فيها من كل خير، فيستيقنوها. وأريهم النار وما أعددت لهم فيها من كل شر فيستيقنوها، ولكن عمدا غيبت ذلك عنهم لأعلم كيف يعملون، وقد بينته لهم »(٤٠).
وهذا إسناد متقارب، وهي نسخة تروى بها أحاديث جمة، والله أعلم.
١ - زيادة من أ..
٢ - زيادة من أ..
٣ - في ت: "ورد"..
٤ - في ت، أ: "مسعود رضي الله عنه"..
٥ - في ت، أ: "والماء على إصبع"..
٦ - صحيح البخاري برقم (٤٨١١)..
٧ - زيادة من أ..
٨ - في أ: "في"..
٩ - زيادة من ت..
١٠ - صحيح البخاري برقم (٧٤١٤، ٧٤١٥، ٧٤٥١) والمسند (١/٤٢٩) وصحيح مسلم برقم (٢٧٨٦) وسنن الترمذي برقم (٣٢٣٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٥١)..
١١ - زيادة من أ..
١٢ - في ت: "من طريق الأعمش"..
١٣ - المسند (١/٣٧٨) وصحيح البخاري برقم (٧٤٥١) وصحيح مسلم برقم (٢٧٨٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٥٢)..
١٤ - في ت: "عن ابن عباس رضي الله عنهما"..
١٥ - في أ: "الخلائق"..
١٦ - في ت: "بأصابعه"..
١٧ - المسند (١/٣٢٤) وسنن الترمذي برقم (٣٢٤٠)..
١٨ - في ت: "وروى البخاري بإسناده أن أبا هريرة"..
١٩ - صحيح البخاري برقم (٤٨١٢)..
٢٠ - صحيح مسلم برقم (٢٧٨٧) من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به..
٢١ - في ت: "وروى"..
٢٢ - في أ: "عن ابن عمر رضي الله عنهما"..
٢٣ - صحيح البخاري برقم (٤٨١٢)..
٢٤ - صحيح مسلم برقم (٢٧٨٨) من طريق سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر به..
٢٥ - في ت: "وروى"..
٢٦ - في أ: "عن ابن عمر رضي الله عنهما".
٢٧ - في أ: "أبي"..
٢٨ - المسند (٢/٧٢) وصحيح مسلم برقم (٢٧٨٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٧٦٨٩) وسنن ابن ماجه برقم (٤٢٧٥)..
٢٩ - في ت: "عمر"..
٣٠ - في أ: "يوسف"..
٣١ - زيادة من أ..
٣٢ - ورواه أبو الشيخ في العظمة برقم (١٢٨): حدثنا أبو بكر البرذعي عن سليمان بن سيف به، ورواه ابن عدي في الكامل (٤/٣٤٢) والطبراني في المعجم الكبير (١٢/٣٥٢) من طريق عبادة بن ميسرة به، وفي إسناده عباد بن ميسرة المنقري، وهو ضعيف وعند ابن عدي: "فتحرك المنبر مرتين"..
٣٣ - لم أجده في المطبوع من مسند عبد الله بن عمرو رضي الله عنه..
٣٤ - في ت: "وروى الطبراني في المعجم الكبير بإسناده عن جرير"..
٣٥ - المعجم الكبير (٢/٣٤٨) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٠١): "فيه بكر بن خنيس وهو متروك"..
٣٦ - في هـ، ت، أ: "زيد" والتصويب من المعجم..
٣٧ - في أ: "الأشعري رضي الله عنه"..
٣٨ - في هـ: "قبضت الأرضين" وفي س، ت، أ: "قبضت الأرض ثم الأرضين" والمثبت من المعجم..
٣٩ - في س: "أريهم"..
٤٠ - المعجم الكبير (٣/٢٩٤)، وفي إسناده: محمد بن إسماعيل بن عياش، ضعيف ولم يسمع من أبيه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى