جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ يقول تعالى ذكره : وما عظّم الله حقّ عظمته، هؤلاء المشركون بالله، الذين يدعونك إلى عبادة الأوثان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ قال : هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن الله على كلّ شيء قدير، فقد قدر الله حقّ قدره، ومن لم يؤمن بذلك، فلم يقدر الله حقّ قدره.
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ وَما قَدَرُوا اللّهٍ حَقّ قَدْرِهِ : ما عظّموا الله حقّ عظمته.
وقوله : والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ يقول تعالى ذكره : والأرض كلها قبضته في يوم القيامة والسّمَوَاتُ كلها مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ فالخبر عن الأرض متناه عند قوله : يوم القيامة، والأرض مرفوعة بقوله قَبْضَتُهُ، ثم استأنف الخبر عن السموات، فقال : والسّمَوَاتُ مَطْوياتٌ بيَمِينِهِ وهي مرفوعة بمطويات.
ورُوي عن ابن عباس وجماعة غيره أنهم كانوا يقولون : الأرض والسموات جميعا في يمينه يوم القيامة. ذكر الرواية بذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ يقول : قد قبض الأرضين والسموات جميعا بيمينه، ألم تسمع أنه قال : مَطْوِياتٌ بِيَمِينِهِ يعني : الأرض والسموات بيمينه جميعا، قال ابن عباس : وإنما يستعين بشماله المشغولة يمينه.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا معاذ بن هشام، قال : ثني أبي عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، قال : ما السموات السبع، والأرضون السبع في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم،
قال : ثنا معاذ بن هشام، قال : ثني أبي، عن قتادة، قال : حدثنا النضر بن أنس، عن ربيعة الجُرْسي، قال : والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ والسّمَوَاتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ قال : ويده الأخرى خلو ليس فيها شيء.
حدثني عليّ بن الحسن الأزديّ، قال : حدثنا يحيى بن يمان، عن عمار بن عمرو، عن الحسن، في قوله : والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ قال : كأنها جوزة بقضها وقضيضها.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ يقول : السموات والأرض مطويات بيمينه جميعا.
وكان ابن عباس يقول : إنما يستعين بشماله المشغولة يمينه، وإنما الأرض والسموات كلها بيمينه، وليس في شماله شيء.
حدثنا الربيع، قال : حدثنا ابن وهب، قال : أخبرني أُسامة بن زيد، عن أبي حازم، عن عبد الله بن عمر، أنه رأى رسول الله ﷺ، على المنبر يخطب الناس، فمر بهذه الآية : وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ فقال رسول الله ﷺ :«يَأْخُذُ السّمَوَاتِ والأرْضَينِ السّبْعَ فَيَجْعَلُها في كَفّهِ، ثُمّ يَقُولُ بِهِما كمَا يَقُولُ الغُلامُ بالكُرَةِ : أنا اللّهُ الوَاحِدُ، أنا اللّهُ العَزِيزُ » حتى لقد رأينا المنبر وإنه ليكاد أن يسقط به.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى، عن سفيان، قال : ثني منصور وسليمان، عن إبراهيم، عن عبيدة السّلْماني، عن عبد الله، قال : جاء يهوديّ إلى النبيّ ﷺ فقال : يا محمد إن الله يمسك السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والخلائق على أصبع، ثم يقول : أنا الملك قال : فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه وقال : وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى، قال : حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة عن عبد الله، قال : فضحك النبيّ ﷺ تعجبا وتصديقا.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السدي، عن منصور، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال : كنا عند رسول الله ﷺ، حين جاءه حبر من أحبار اليهود، فجلس إليه، فقال له النبيّ ﷺ :«حَدّثْنا »، قال : إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة، جعل السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والماء والشجر على أصبع، وجميع الخلائق على أصبع ثم يهزهنّ ثم يقول : أنا الملك، قال : فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقا لما قال، ثم قرأ هذه الاَية : وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ. . . الاَية ».
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي، نحو ذلك.
حدثني سليمان بن عبد الجبار، وعباس بن أبي طالب، قالا : حدثنا محمد بن الصلت، قال : حدثنا أبو كدنية عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال : مرّ يهوديّ بالنبيّ ﷺ وهو جالس، فقال :«يا يَهُوديّ حَدّثْنا »، فقال : كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله السماء على ذه، والأرض على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه، فأنزل الله وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِه. . . الاَية.
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال : أتى النبي ﷺ رجل من أهل الكتاب، فقال : يا أبا القاسم أبلغك أن الله يحمل الخلائق على أصبع، والسموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع ؟ قال فضحك النبيّ ﷺ حتى بدت نواجذه، فأنزل الله وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ. . . إلى آخر الاَية.
وقال آخرون : بل السموات في يمينه، والأرضون في شماله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عليّ بن داود، قال : حدثنا ابن أبي مريم، قال : أخبرنا ابن أبي حازم، قال : ثني أبو حازم، عن عبيد الله بن مِقْسَمِ، أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول : رأيت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول :«يَأْخُذُ الجَبّارُ سَمَوَاتِهِ وأرْضِهِ بِيَدَيْهِ » وقبض رسول الله ﷺ يديه، وجعل يقبضهما ويبسطهما، قال : ثمّ يَقُولُ :«أنا الرّحْمَنُ أنا المَلِكُ، أيْنَ الجَبّارُونَ، أيْنَ المُتَكَبّرُونَ » وتمايل رسول الله ﷺ عن يمينه، وعن شماله، حتى نظرت إلى المنبر يتحركّ من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول : أساقطٌ هو برسول الله ﷺ ؟.
حدثني أبو علقمة الفروي عبد الله بن محمد، قال : ثني عبد الله بن نافع، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن عبيد بن عمير، عن عبد الله بن عمر، أنه قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«يَأْخُذُ الجَبّارُ سَمَوَاتِهِ وأرْضَهُ بيَدِهِ »، وقبض يده فجعل يقبضها ويبسطها، ثم يقول :«أنا الجَبّارُ، أنا المَلِكُ، أيْن الجَبّارُونَ، أيْنَ المُتَكَبّرُونَ ؟ » قال : ويميل رسول الله ﷺ عن يمينه وعن شماله، حتى نظرت إلى المنبر يتحركّ من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول : أساقط هو برسول الله ﷺ ؟ ».
حدثني الحسن بن علي بن عياش الحمصي، قال : حدثنا بشر بن شعيب، قال : أخبرني أبي، قال : حدثنا محمد بن مسلم بن شهاب، قال : أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أنه كان يقول : قال رسول الله ﷺ :«يَقْبِضُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ الأرْضَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَطْوِي السموات بيمينه، ثُمّ يَقُولُ : أنا المَلِكُ أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ ؟ ».
حُدثت عن حرملة بن يحيى، قال : حدثنا إدريس بن يحيى القائد، قال : أخبرنا حيوة، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال : أخبرني نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال :«إنّ اللّهَ يَقْبِضُ الأرْضَ يَوْمَ القيامَةِ بِيَدِهِ، وَيَطْوِي السّماءَ بِيَمينهِ وَيَقُولُ : أنا المَلِكُ ».
حدثني محمد بن عون، قال : حدثنا أبو المغيرة، قال : حدثنا ابن أبي مريم، قال : حدثنا سعيد بن ثوبان الكلاعي عن أبي أيوب الأنصاري، قال : أتى رسول الله ﷺ حبرٌ من اليهود، قال : أرأيت إذ يقول الله في كتابه : والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ والسّمَوَاتُ مَطْوَيّاتٌ بِيَمينهِ فأين الخلق عند ذلك ؟ قال :«هُمْ فِيها كَرقْمِ الكِتابِ ».
حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال : حدثنا أبو أسامة، قال : حدثنا عمرو بن حمزة، قال : ثني سالم، عن أبيه، أنه أخبره أن رسول الله ﷺ قال :«يَطْوِي اللّهُ السّمَوَاتِ فيأْخُذُهُنّ بِيَمِينِهِ وَيَطْوِي الأرْضَ فَيأْخُذُها بِشمالِهِ، ثُمّ يَقُولُ : أنا المَلِكُ أيْنَ الجَبّارُونَ ؟ أينَ المُتَكَبّرُونَ ».
وقيل : إن هذه الاَية نزلت من أجل يهودي سأل رسول الله ﷺ عن صفة الرب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني ابن إسحاق، عن محمد، عن سعيد، قال : أتى رهط من اليهود نبي الله ﷺ، فقالوا : يا محمد، هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه ؟ فغضب النبي ﷺ حتى انتُقِع لونه، ثم ساورهم غضبا لربه فجاءه جبريل فسكنه، وقال : اخفض عليك جناحك يا محمد، وجاءه من الله جواب ما سألوه عنه، قال : يقول الله تبارك وتعالى : قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ اللّهُ الصّمَدُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أحَدٌ فلما تلاها عليهم النبيّ ﷺ قالوا : صف لنا ربك كيف خلقه، وكيف عضده، وكيف ذراعه ؟ فغضب النبي ﷺ أشد من غضبه الأول، ثم ساورهم، فأتاه جبريل فقال مثل مقالته، وأتاه بجواب ما سألوه عنه وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ والسّمَوَاتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال : تكلمت اليهود في صفة الربّ، فقال ما لم يعلموا ولم يروا، فأنزل الله على نبيه ﷺ : وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ ثم بيّن للناس عظمته فقال : والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ والسّمَوَاتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ، فجعل صفتهم التي وصفوا الله بها شركا.
وقال بعض أهل العربية من أهل البصرة والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ والسّمَوَاتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ يقول في قدرته نحو قوله : وَما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ : أي و

تفسير هذه الآية من كتب أخرى