زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
وفي هذه الواو ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها زائدة، روي عن جماعة من اللغويين منهم الفراء.
والثاني : أنها واو الحال ؛ فالمعنى : جاؤوها وقد فتحت أبوابها، فدخلت الواو لبيان أن الأبواب كانت مفتحة قبل مجيئهم، وحذفت من قصة أهل النار لبيان أنها كانت مُغلقة قبل مجيئهم، ووجه الحكمة في ذلك من ثلاثة أوجه :
أحدها : أن أهل الجنة جاؤوها وقد فتحت أبوابها ليستعجلوا السرور والفرح إذا رأوا الأبواب مفتحة، وأهل النار يأتونها وأبوابها مغلقة ليكون أشد لحرها، ذكره أبو إسحاق بن شاقلا من أصحابنا.
والثاني : أن الوقوف على الباب المغلق نوع ذل، فصين أهل الجنة عنه، وجعل في حق أهل النار، ذكره لي بعض مشايخنا.
والثالث : أنه لو وجد أهل الجنة بابها مغلقا لأثّر انتظار فتحه في كمال الكرم، ومن كمال الكرم غلق باب النار إلى حين مجيء أهلها، لأن الكريم يعجل المثوبة، ويؤخر العقوبة، وقد قال عز وجل :﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾ [النساء: ١٤٧] ؛ قال المصنف : هذا وجه خطر لي.
والقول الثالث : أن الواو زيدت، لأن أبواب الجنة ثمانية، وأبواب النار سبعة، والعرب تعطف في العدد بالواو على ما فوق السبعة على ما ذكرناه في قوله :﴿ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم﴾ [الكهف: ٢٢]، حكى هذا القول والذي قبله الثعلبي. واختلف العلماء أين جواب هذه الآية على ثلاثة أقوال :
أحدها : أن الجواب محذوف، قاله أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج في آخرين. وفي تقدير هذا المحذوف قولان : أحدهما : أن تقديره :﴿حتى إذا جاؤوها. . .﴾ إلى آخر الآية. . . سعدوا، قاله المبرد. والثاني :﴿حتى إذا جاؤوها. . .﴾ إلى قوله ؛ ﴿فادخلوها خالدين﴾. . دخلوها، وإنما حذف، لأن في الكلام دليلا عليه، وهذا اختيار الزجاج. والقول الثاني : أن الجواب : قال لهم خزنتها، والواو زائدة، ذكره الأخفش، قال : ومثله في الشعر :
فإذا وذلك يا كُبيشة لم يكنإلا كلمة حالم بخيال
أي : فإذا ذلك.
والثالث : الجواب : حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها، والواو زائدة، حكاه الزجاج عن قوم من أهل اللغة.
وفي قوله :﴿طبتم﴾ خمسة أقوال : أحدها : أنهم إذا انتهوا إلى باب الجنة وجدوا عند بابها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فيشربون من إحداهما، فلا يبقى في بطونهم أذى ولا قذى إلا خرج، ويغتسلون من الأخرى، فلا تغبر جلودهم ولا تشعث أشعارهم أبدا، حتى إذا انتهوا إلى باب الجنة قال لهم عند ذلك خزنتها :﴿سلام عليكم طبتم﴾، رواه عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه، وقد ذكرنا في [الأعراف: ٤٤] نحوه عن ابن عباس. والثاني : طاب لكم المقام، قاله ابن عباس. والثالث : طبتم بطاعة الله، قاله مجاهد. والرابع : أنهم طُيِبوا قبل دخول الجنة بالمغفرة، واقتُص من بعضهم لبعض، فلما هذِبوا قالت لهم الخزنة : طبتم، قاله قتادة : والخامس : كنتم طيبين في الدنيا، قاله الزجاج.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى