الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
فإن قلت : فكيف جعلت ﴿جنات عَدْنٍ﴾ بدلاً من الفضل الكبير، الذي هو السبق بالخيرات المشار إليه بذلك ؟ قلت : لما كان السبب في نيل الثواب، نزل منزلة المسبب، كأنه هو الثواب، فأبدلت عنه جنات عدن، وفي اختصاص السابقين بعد التقسيم بذكر ثوابهم والسكوت عن الآخرين ما فيه من وجوب الحذر، فليحذر المقتصد، وذلك الظالم لنفسه حذراً وعليهما بالتوبة النصوح المخلصة من عذاب الله، ولا يغترا بما رواه عمر رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ :" سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له " فإنّ شرط ذلك صحة التوبة لقوله تعالى :﴿عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] وقوله :﴿إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] ولقد نطق القرآن ذلك في مواضع من استقرأها اطلع على حقيقة الأمر ولم يعلل نفسه بالخدع. وقرىء :«سباق » ومعنى :﴿بِإِذُنِ الله﴾ بتيسيره وتوفيقه.
فإن قلت : لم قدم الظالم ؟ ثم المقتصد ثم السابق ؟ قلت : للإيذان بكثرة الفاسقين وغلبتهم، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم والسابقون أقلّ من القليل. وقرىء :«جنة عدن » على الإفراد، كأنها جنة مختصة بالسابقين. وجنات عدن : بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر، أي يدخلون جنات عدن يدخولنها، ويدخلونها، على البناء للمفعول. ويحلون : من حليت : المرأة، فهي حال ﴿وَلُؤْلُؤاً﴾ معطوف على محل من أساور، ومن داخلة للتبعيض، أي : يحلون بعض أساور من ذهب، كأنه بعض سابق لسائر الابعاض، كما سبق المسوّرون به غيرهم. وقيل : إنّ ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ.
وقرىء :«ولولؤاً » بتخفيف الهمزة الأولى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى