الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ : مفعولٌ ثانٍ ل " أَحَلَّنا " ولا يكونُ ظرفاً لأنه مختصٌّ فلو كان ظرفاً لتعدَّى إليه الفعلُ ب في. والمُقامةُ : الإِقامة. " من فضلِه " متعلقٌ ب " أحَلَّنا " و " مِنْ " : إمَّا للعلةِ، وإمَّا لابتداءِ الغاية.
قوله :" لا يَمَسُّنا " حالٌ مِنْ مفعولِ " أَحَلَّنا " الأول أو الثاني ؛ لأن الجملةَ مشتملةٌ على ضميرِ كل منهما، وإن كان الحالُ من الأول أظهرَ. والنَّصَبُ : التعبُ والمشقةُ. واللُّغوبُ : الفتورُ الناشئُ عنه، وعلى هذا فيقال : إذا انتفى السببُ نُفِي المُسَبَّب يقال :" لم آكُلْ " فيُعلمُ انتفاءُ الشِّبع، فلا حاجةَ إلى قولِه ثانياً :" فلم أشبَعْ " بخلاف العكسِ، ألا ترى أنه يجوز : لم أشبع ولم آكل، والآية الكريمة على ما قررتُ مِن نفي السبب ثم نفي المسبب فأي فائدة في ذلك ؟ وقد أجيب بأنه بيَّن مخالفةَ الجنة لدار الدنيا ؛ فإنَّ أماكنَها على قسمين : موضعٍ تَمَسُّ فيه المشاق كالبراري، وموضعٍ يَمَسُّ فيه الإِعياءُ كالبيوتِ والمنازل التي فيها الأسفارُ. فَقيل : لا يَمَسُّنا فيها نَصَبٌ لأنها ليست مَظانَّ المتاعبِ كدارِ الدنيا، ولا يَمَسُّنا فيها لُغوبٌ أي : ولا نَخْرُج منها إلى مواضعَ نَتْعَبُ ونَرْجِعُ إليها فيمسُّنا فيها الإِعياء. وهذا الجوابُ ليس بذلك، والذي يقال : إن النَّصَب هو تعبُ البدنِ واللُّغوبُ تعبُ النفسِ. وقيل : اللغوبُ الوَجَعُ وعلى هذين فلا يَرِدُ السؤالُ المتقدِّمُ.
وقرأ عليٌّ والسُّلميُّ بفتح لام " لَغُوْب " وفيه أوجه، أحدها : أنَّه مصدرٌ على فَعُوْل كالقَبول. / والثاني : أنه اسمٌ لِما يُلْغَبُ به كالفَطور والسَّحور. قاله الفراء. الثالث : أنه صفةٌ لمصدرٍ مقدرٍ أي : لا يَمَسُّنا لُغوبٌ لَغوبٌ نحو : شعرٌ شاعرٌ ومَوْتٌ مائتٌ. وقيل : صفةٌ لشيءٍ غيرِ مصدرٍ أي : أمرٌ لَغوبٌ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى