اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿الذي أَحَلَّنَا﴾ أي أنزلنا «دارَ المُقَامَةِ » مفعول ثانٍ «لأَحَلَّنَا » ولا يكون ظرفاً لأنه مختص فلو كان ظرفاً لتعدي إليه الفعل بفِي(١) والمُقَامَةُ الإقامة(٢). والمفعول قد يجيء بالمصدر يقال : ما له مَعْقُول أي عَقْل. قال تعالى :﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩] وكذلك المستخرج للإخراج لأن المصدر هو(٣) المفعول في الحقيقة فإنه هو الذي فعل ( فجاز(٤) إقامة المفعول مُقَامَهُ ).

فصل


في قوله :﴿دَارَ المقامة﴾ إشارة إلى أن الدنيا منزلة ينزلها المكلف ويرتحل عنها إلى منزلة القبور ومن القبور إلى منزلة العَرَصَات(٥) التي فيها الجَمْع ومنها التفريق وقد يكون النار لبعضهم منزلة أخرى والجنة دار البقاء وكذا النار لأهلها.
قوله :﴿مِن فَضْلِهِ﴾ متعلق «بأَحَلَّنَا »(٦) و «من » إما لِلْعِلَّة وإما لابتداء الغاية(٧) ومعنى فضله أي يحكم وعده لا بإيجاب من عنده.
قوله :﴿لاَ يَمَسُّنَا﴾ حال من مفعول «أَحَلَّنَا » الأول(٨) والثاني(٩)، لأن الجملة مشتملة على ضمير كل منهما وإن كان الحال من الأول أظهر(١٠) والنَّصْبُ التَّعَبُ(١١) والمشقَّة، واللُّغُوبُ الفُتُورُ النَّاشِيءُ عنه(١٢) وعلى هذا فيقال إذا انتفى السَّبَبُ فإذا قيل : لم آكل فيعلم انتفاء الشبع فلا حاجة إلى قوله ثانياً فلم أشبع بخلاف العكس ألا ترى أنه يجوز لم أشبع ولم آكل و ( في )(١٣) الآية الكريمة على ما تقرر من نفي السبب فما فائدته ؟ وقد أجاب ابن الخطيب : بأنه بين مخالفة الجنة لدار الدنيا فإن أماكنها على قسمين موضع يمس فيه المشاق كالبَرَاري وموضع يمس فيه الإعباء كالبيوت والمنازل التي في الأسفار فقيل : لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ لأنها ليست مظانَّ المتاعب كدار الدنيا ولا يَمَسُّنَا فيها لغوب أي لا يخرج منها إلى موضع يتعب(١٤) ويرجع إليها فيمسنا فيها الإعياء وهذا الجواب ليس بذاك(١٥) والذي يقال : إن النصب هو تعب البدن واللغوب تعب النفس. وقيل : اللغوب الوجع وعلى هذين فالسؤال زائل(١٦) وقرأ عليُّ والسُّلَمِيُّ بفتح لام لغوب(١٧) وفيه أوجه :
أحدهما : أنه مصدر على فَعُول(١٨) كالقَبُول.
والثاني : أنه اسم لما يلغب(١٩) به كالفَطُورِ والسَّحُور. قاله الفراء(٢٠).
الثالث : أنه صفة لمصدر مقدر أي لا يَمَسُّنَا لُغُوبٌ لَغُوبٌ نحو : شعرٌ شاعرٌ وموتٌ مائتٌ(٢١) وقيل : صفة لشيء غير مقدار أي أمرٌ لَغُوب(٢٢).
١ قاله أبو البقاء في تبيانه ١٠٧٦ والسمين في الدر ٤/٤٨٣..
٢ الكشاف ٣/٣١٠..
٣ في ((ب)) غير لحن وتغيير للمعنى..
٤ زيادة يقتضيها السياق فإن ((مدخلا)) مفعول به وهو مصدر ميمي مفعول لقوله: ((أدخلني)) قبله و ((كل ممزق)) مفعول مطلق نائب عن المصدر الذي من الفعل أي مزقناهم تمزيقا. والمقامة مصدر ميمي من غير الثلاثي وهو مفعول بالدخول والإحلال..
٥ كذا هي بالصاد هنا. وفي ((ب)) العرضات بالضاد. تحريف والعرصات جمع عرصة وتجمع أيضا على عراص وعرصة الدار وسطها. وقيل: ما لا بناء فيه والعرصة أيضا بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء، وفي حديث قُسٍ: في عَرَصَاتِ بجثْجَاتٍ. بتصرف من اللسان عرص والصِّحاح. وانظر: اللسان ٢٨٨٣..
٦ الدر المصون ٤/٤٨٣..
٧ السابق..
٨ التبيان ١٠٧٦..
٩ السمين السابق ويقصد بالأول ((نا)) وبالثاني ((دار المُقَامَةِ))..
١٠ الدر المصون السابق..
١١ قاله النحاس في الإعراب ٤/٣٧٤ والزجاج في المعاني ٤/٢٧١..
١٢ قاله في القرطبي ١٤/٣٥١ وفي معاني الفراء ٢/٣٧٠ وفي معاني القرآن وإعرابه ٤/٢٧١ وفي الكشاف ٣/٣١٠..
١٣ سقط من ((ب))..
١٤ في ((ب)) التعب..
١٥ التفسير الكبير للرازي ٢٦/٨..
١٦ انظر: البحر المحيط لأبي حيان ٧/٣١٥ والدر المصون للسمين ٤/٤٨٣..
١٧ نسبها كل من الزجاج والفراء في المعاني إلى السلمي فقط انظر: معاني الزجاج ٤/٢٧١ ومعاني الفراء ٢/٣٧٠ ونسبها ابن خالويه له ولعلي ولسعيد بن جبير. المختصر ١٢٤ ونسبها ابن جني في المحتسب إلى السلمي وعلي كما فعل المؤلف أعلى. المحتسب ٢/٢٠٠..
١٨ قاله الزمخشري في الكشاف ٣/٣١٠ وابن جني في المحتسب ٢/٢٠٠..
١٩ في ((ب)) يلقب بالقاف تحريف..
٢٠ المعاني ٢/٣٧٠ قال: ((كأنه جعله ما يلغبُ))..
٢١ الكشاف ٣/٣١٠ والمحتسب ٢/٢٠١ وانظر كذا كله الدر المصون ٤/٤٨٣ والبحر المحيط ٧/٣١٥..
٢٢ ذكر هذا الرأي صاحب اللوامح فيما نقله عنه أبو حيان في البحر المحيط، وهو أبو الفضل الرازي رحمه الله. انظر: البحر المحيط ٧/٣١٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى