روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿الذي أَحَلَّنَا دَارَ المقامة﴾ أي دار الإقامة التي لا انتقال عنها أبداً وهي الجنة ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ من إنعامه سبحانه وتفضله وكرمه فإن العمل وإن كان سبباً لدخول الجنة في الجملة لكن سببيته بفضل الله عز وجل أيضاً إذ ليس هناك استحقاق ذاتي، ومن علم أن العمل متناه زائل وثواب الجنة دائم لا يزول لم يشك في أن الله تعالى ما أحل من أحل دار الإقامة إلا من محض فضله سبحانه وقال الزمخشري : أي من إعطائه تعالى وإفضاله من قولهم لفلان فضول على قومه وفواضل وليس من الفضل الذي هو التفضل لأن الثواب بمنزلة الأجر المستحق والتفضل كالتبرع وفيه من الاعتزال ما فيه ﴿لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ أي تعب ﴿وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ كلال وفتور وهو نتيجة النصب، وضمه إليه وتكرير الفعل المنفي للمبالغة في بيان انتفاء كل منهما كذا قال جمع من الأجلة، وقال بعضهم : النصب التعب الجسماني واللغوب التعب النفساني.
وأخرج ابن جرير عن قتادة أنه فسر النصب بالوجع والكلام من باب :
لا ترى الضب بها ينجحر *** والجملة حال من أحد مفعولي أحل. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه. والسلمي ﴿لُغُوبٌ﴾ بفتح اللام، قال الفراء : هو ما يغب به كالفطور والسحور، وجاز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي لا يمسنا فيها لغوب لغوب نحو شعر شاعر كأنه وصف اللغوب بأنه قد لغب أي أعيى وتعب.
وقال «صاحب اللوامح » يجوز أن يكون مصدراً كالقبور وإن شئت جعلته صفة لمضمر أي أمر لغوب.
ومن باب الإشارة :﴿الذي أَحَلَّنَا دَارَ المقامة مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ هو نصب الأبدان وتعبها من أعمال الطاعة للتقرب إليه سبحانه ﴿وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [ فاطر : ٥ ٣ ] هو لغوب القلوب واضطرابها من تخيل القطيعة والرد وهجر الحبيب، وقيل : لا يسمنا فيها نصب السعي في تحصيل أي أمر اردناه ولا يمسنا فيها لغوب تخيل ذهاب أي مطلوب حصلناه، وقد أشاروا إلى أن كل ذلك من فضل الله تاعلى والله عز وجل ذو الفضل العظيم، هذا ونسأل الله تعالى من فضله الحلو ما تنشق منه مرارة الحسود وينفطر به قلب كل عدو وينتعش فؤاد كل محب ودود.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى