البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿وهم يصطرخون﴾ : بني من الصرخ يفتعل، وأبدلت من التاء طاء، وأصله يصرخون، والصراخ : شدة الصياح، قال الشاعر :
صرخت حبلى أسلمتها قبيلها. . .
واستعمل في الاستغاثة لجهة المستغيث صوته، قال الشاعر :
وطول اصطراخ المرء في بعد قعرهاوجهد شقي طال في النار ما عوى
﴿ربنا أخرجنا﴾ : أي قائلين ربنا أخرجنا منها، أي من النار، وردنا إلى الدنيا.
﴿نعمل صالحاً﴾ قال ابن عباس : نقل : لا إله إلا الله، ﴿غير الذين كنا نعمل﴾، أي من الشرك، ونمتثل أمر الرسل، فنؤمن بدل الكفر، ونطيع بدل المعصية.
وقال الزمخشري : هل اكتفى بصالحاً، كما اكتفى به في ﴿ارجعنا نعمل صالحاً﴾ وما فائدة زيادة ﴿غير الذي كنا نعمل﴾ على أنه يوهم أنهم يعملون صالحاً آخر غير الصالح الذي عملوه ؟ قالت : فائدته زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به، وأما الوهم فزائل بظهور حالهم في الكفر وركوب المعاصي، ولأنهم كانوا يحسنون صنعاً فقالوا : أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نحسبه صالحاً فنعمله. انتهى.
روي أنهم يجابون بعد مقدار الدنيا :﴿أوَلم نعمركم﴾، وهو استفهام توبيخ وتوقيف وتقرير، وما مصدرية ظرفية، أي مدة يذكر.
وقرأ الجمهور :﴿ما يتذكر فيه من تذكر﴾.
وقرأ الأعمش : ما يذكر فيه، من اذكر، بالادغام واجتلاب همزة الوصل ملفوظاً بها في الدرج.
وهذه المدة، قال الحسن : البلوغ، يريد أنه أول حال التذكر، وقيل : سبع عشرة سنة.
وقال قتادة : ثمان عشرة سنة.
وقال عمر بن عبد العزيز : عشرون.
وقال ابن عباس : أربعون ؛ وقيل : خمسون.
وقال علي : ستون، وروي ذلك عن ابن عباس.
﴿وجاءكم﴾ معطوف على ﴿أوَلم نعمركم﴾، لأن معناه : قد عمرناكم، كقوله :﴿ألم نربّك فينا وليداً﴾ وقوله :﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ ثم قال :﴿ولبثت فينا﴾ وقال ﴿ووضعنا﴾ لأن المعنى قدر بيناك وشرحنا.
والنذير جنس، وهم الأنبياء، كل نبي نذير أمته.
وقرىء : النذر جمعاً، وقيل : النذير : الشيب، قاله ابن عباس، وعكرمة، وسفيان، ووكيع، والحسن بن الفضل، والفراء، والطبري.
وقيل : موت الأهل والأقارب ؛ وقيل : كمال السفل.
﴿فذوقوا﴾ : أي عذاب جهنم.
وقرأ جناح بن حبيش : عالم منوناً، غيب نصباً ؛ والجمهور : على الإضافة.
ومجيء هذه الجملة عقيب ما قبلها هو أنه تعالى ذكر أن الكافرين يعذبون دائماً مدة كفرهم كانت مدة يسيرة منقطعة

تفسير هذه الآية من كتب أخرى