الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿اسْتِكْبَاراً﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً له أي : لأجل الاستكبارِ، وأَنْ يكونَ بدلاً مِنْ " نُفوراً "، وأنْ يكونَ حالاً أي : حالَ كونِهم مُسْتكبرين. قاله الأخفش.
قوله :" ومَكْرَ السَّيِّئِ " فيه وجهان، أظهرُهما : أنه عطفٌ على " استكباراً ". والثاني : أنه عطفٌ على " نُفوراً " وهذا مِنْ إضافة الموصوفِ إلى صفتِه في الأصلِ ؛ إذ الأصلُ : والمكرَ السَّيِّئ. والبصريون يُؤَوِّلونه على حَذْفِ موصوفٍ/ أي : العمل السِّيِّئ.
وقرأ العامَّةُ بخفضِ همزةِ " السَّيِّئ "، وحمزة والأعمش بسكونِها وَصْلاً. وقد تَجَرَّأتِ النحاةُ وغيرُهم على هذه القراءةِ ونسبوها لِلَّحْنِ، ونَزَّهوا الأعمشَ عَنْ أَنْ يكونَ قرأ بها. قالوا : وإنما وَقَفَ مُسَكِّناً، فظُنَّ أنه واصَلَ فَغُلِط عليه. وقد احتجَّ لها قومٌ آخرون : بأنه إجراءٌ للوَصْلِ مُجْرَى الوقفِ، أو أَجْرى المنفصلَ مُجْرى المتصلِ. وحَسَّنه كونُ الكسرةِ على حَرْفٍ ثقيل بعد ياءٍ مشددةٍ مكسورةٍ. وقد تقدَّم أنَّ أبا عمروٍ يَقْرأ " إلى بارِئْكم " بسكونِ الهمزةِ. فهذا أَوْلَى لزيادةِ الثقلِ ههنا. وقد تقدَّمَ هناك أمثلةٌ وشواهدُ فعليك باعتبارِها. ورُوِيَ عن ابنِ كثير " ومَكْرَ السَّأْيِ " بهمزةٍ ساكنةٍ بعد السينِ ثم ياءٍ مكسورةٍ. وخُرِّجَتْ على أنها مقلوبةٌ من السَّيْئِ، والسَّيْئُ مخففٌ من السَّيِّئ كالميْت من الميِّت قال الحماسي :
٣٧٧٣ ولا يَجْزُوْنَ مِنْ حَسَنٍ بسَيْءٍولا يَجْزُون مِنْ غِلَظٍ بلِيْنِ
وقد كَثُر في قراءتِه القلبُ نحو " ضِئاء " و " تَاْيَسوا " و " لا يَاْيَسُ " كما تقدم تحقيقُه.
وقرأ عبد الله :" ومَكْراً سَيِّئاً " بالتنكيرِ، وهو موافِقٌ لما قبلَه. وقُرِئ " ولا يُحيق " بضمِّ الياء، " المكْرَ السَّيِّئَ " بالنصب على أنَّ الفاعلَ ضميرُ الله تعالى أي : لا يُحيط اللَّهُ المكرَ السيِّئَ إلاَّ بأهله.
قوله :" سُنَّةَ الأوَّلِيْن " مصدرٌ مضافٌ لمفعولِه، و " سنةِ الله " مضافٌ لفاعلِه ؛ لأنَّه تعالى سَنَّها بهم، فصَحَّتْ إضافتُها إلى الفاعلِ والمفعولِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى