مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي
عن الكتاب
﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾ في الأرض ﴿رَوَاسِىَ﴾ جبالاً ثوابت ﴿مِّن فَوْقِهَا﴾ إنما اختار إرساءها فوق الأرض لتكون منافع الجبال ظاهرة لطالبيها، وليبصر أن الأرض والجبال أثقال على أثقال كلها مفتقرة إلى ممسك وهو الله عز وجل ﴿وبارك﴾ بالماء والزرع والشجر والثمر ﴿فِيهَا﴾ وفي الأرض. وقيل : وبارك فيها وأكثر خيرها ﴿وَقَدَّرَ فِيهَآ أقواتها﴾ أرزاق أهلها ومعايشهم وما يصلحهم، وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه ﴿وقسم فيها أقواتها﴾ ﴿فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ في تتمة أربعة أيام يريد بالتتمة اليومين تقول : سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة وإلى الكوفة في خمسة عشر أي تتمة خمسة عشر ولا بد من هذا التقدير، لأنه لو أجرى على الظاهر لكانت ثمانية أيام لأنه قال ﴿خَلَقَ الأرض فِى يَوْمَيْنِ﴾ ثم قال ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ ثم قال ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات فِى يَوْمَيْنِ﴾ فيكون خلاف قوله ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق: ٣٨] في موضع آخر، وفي الحديث :« إن الله تعالى خلق الأرض يوم الأحد والإثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والعمران والخراب فتلك أربعة أيام، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة، وخلق آدم عليه السلام في آخر ساعة من يوم الجمعة » قيل : هي الساعة التي تقوم فيها القيامة ﴿سَوَآءً﴾ ﴿سَوَآءٍ﴾ : يعقوب صفة للأيام أي في أربعة أيام مستويات تامات، ﴿سَوَآء﴾ بالرفع : يزيد أي هي سواء، غيرهما ﴿سَوَآء﴾ على المصدر أي استوت سواء أي استواء أو على الحال ﴿لِّلسَّائِلِينَ﴾ متعلق ب ﴿قدر﴾ أي قدر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها والمحتاجين إليها، لأن كلاً يطلب القوت ويسأله، أو بمحذوف كأنه قيل : هذا الحصر لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها.