البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿من بين أيديهم ومن خلفهم﴾، قال ابن عباس : أي قبلهم وبعدهم، أي قبل هود وصالح وبعدهما.
وقيل : من أرسل إلى آبائهم ومن أرسل إليهم ؛ فيكون ﴿من بين أيديهم﴾ معناه : من قبلهم، ﴿ومن خلفهم﴾ معناه : الرسل الذين بحضرتهم.
فالضمير في من خلقهم عائد على الرسل، قاله الضحاك، وتبعه الفراء، وسيأتي عن الطبري نحو من هذا القول.
وقال ابن عطية :﴿من بين أيديهم﴾ : أي تقدموا في الزمن واتصلت نذارتهم إلى أعمار عاد وثمود، وبهذا الاتصال قامت الحجة.
﴿ومن خلفهم﴾ : أي جاءهم رسول بعد تقدم وجودهم في الزمن، وجاء من مجموع العبارة إقامة الحجة عليهم في أن الرسالة والنذارة عمتهم خبر ومباشرة.
انتهى، وهو شرح كلام ابن عباس.
وقال الزمخشري :﴿من بين أيديهم ومن خلفهم﴾ : أي آتوهم من كل جانب، واجتهدوا بهم وأعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض.
كما حكى الله عن الشيطان :﴿لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ أي لآتينهم من كل جهة، ولأعملن فيهم كل حيلة.
وعن الحسن : أنذروهم من وقائع الله فيمن قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة، لأنهم إذا حذروهم ذلك فقد جاؤوهم بالوعظ من جهة الزمن الماضي وما جرى فيه على الكفار، ومن جهة المستقبل وما سيجري عليهم. انتهى.
وقال الطبري : الضمير في قوله :﴿ومن خلفهم﴾ عائد على الرسل، وفي :﴿من بين أيديهم﴾ عائد على الأمم، وفيه خروج عن الظاهر في تفريق الضمائر وتعمية المعنى، إذ يصير التقدير : جاءتهم الرسل من بين أيديهم وجاءتهم من خلف الرسل، أي من خلف أنفسهم، وهذا معنى لا يتعقل إلا إن كان الضمير يعود في خلفهم على الرسل لفظاً، وهو يعود على رسل أخرى معنى، فكأنه قال : جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلف رسل آخرين، فيكون كقولهم : عندي درهم ونصفه، أي ونصف درهم آخر، وهذا فيه بعد.
وخص بالذكر من الأمم المهلكة عاد وثمود لعلم قريش بحالهما، ولوقوعهم على بلادهم في اليمن وفي الحجر، وقال الأفوه الأودي :
أضحوا كقيل بن عنز في عشيرتهإذ أهلكت بالذي سدى لها عاد
أو بعده كقدار حين تابعهعلى الغواية أقوام فقد بادوا
﴿أن لا تعبدوا﴾ : يصح أن تكون أن تفسيرية، لأن مجيء الرسل إليهم يتضمن معنى القول، أي جاءتهم مخاطبة ؛ وأن تكون مخففة من الثقيلة، أي بأنه لا تعبدوا، والناصبة للمضارع، ووصلت بالنهي كما توصل بإلا، وفي نحو :﴿أن طهر﴾ وكتبت إليه بأن قم، ولا في هذه إلا وجه للنهي.
ويجوز على بعد أن تكون لا نافية، وأن ناصبة للفعل، وقاله الحوفي ولم يذكر غيره.
ومفعول شاء محذوف، وقدره الزمخشري : لو شاء ربنا إرسال الرسل لأنزل ملائكة. انتهى.
وتتبعت ما جاء في القرآن وكلام العرب من هذا التركيب فوجدته لا يكون محذوفاً إلا من جنس الجواب، نحو قوله تعالى :﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾ أي لو شاء جمعهم على الهدى لجمعهم عليه، وكذلك :﴿لو نشاء لجعناه حطاماً﴾ ﴿لو نشاء جعلناه أجاجاً﴾ ﴿ولو شاء ربك لآمن﴾ ﴿ولو شاء ربك ما فعلوه﴾ ﴿لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء﴾ قال الشاعر :
فلو شاء ربي كنت قيس بن خالدولو شاء ربي كنت عمر بن مرثد
وقال الراجز :
واللذ لو شاء لكنت صخراًأو جبلاً أشم مشمخرا
فعلى هذا الذي تقرر، لا يكون تقدير المحذوف ما قاله الزمخشري، وإنما التقدير : لو شاء ربنا إنزال ملائكة بالرسالة منه إلى الإنس لأنزلهم بها إليهم، وهذا أبلغ في الامتناع من إرسال البشر، إذ علقوا ذلك بأقوال الملائكة، وهو لم يشأ ذلك، فكيف يشاء ذلك في البشر ؟ ﴿فإنا بما أرسلتم به كافرون﴾ : خطاب لهود وصالح ومن دعا من الأنبياء إلى الإيمان، وغلب الخطاب على الغيبة، نحو قولك : أنت وزيد تقومان.
وما مصدرية، أي بإرسالكم، وبه توكيد لذلك.
ويجوز أن يكون ما بمعنى الذي، والضمير في به عائد عليه، وإذا كفروا بما تضمنه الإرسال، كان كفراً بالإرسال.
وليس قوله :﴿بما أرسلتم﴾ إقراراً بالإرسال، بل هو على سبيل التهكم، أي بما أرسلتم على زعمكم، كما قال فرعون :﴿إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى