مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب * الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار﴾.
واعلم أن مؤمن آل فرعون لما قال :﴿ومن يضلل الله فما له من هاد﴾ ذكر لهذا مثلا، وهو أن يوسف لما جاءهم بالبينات الباهرة فأصروا على الشك والشبهة، ولم ينتفعوا بتلك الدلائل، وهذا يدل على أن من أضله الله ﴿فما له من هاد﴾ وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قيل إن يوسف هذا هو يوسف بن يعقوب عليهما السلام، ونقل صاحب «الكشاف » أنه يوسف بن أفراييم بن يوسف ابن يعقوب أقام فيهم نيفا وعشرين سنة، وقيل إن فرعون موسى هو فرعون يوسف بقي حيا إلى زمانه وقيل فرعون آخر، والمقصود من الكل شيء واحد وهو أن يوسف جاء قومه بالبينات، وفي المراد بها قولان :( الأول ) أن المراد بالبينات قوله ﴿أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾، ( والثاني ) المراد بها المعجزات، وهذا أولى، ثم إنهم بقوا في نبوته شاكين مرتابين، ولم ينتفعوا البتة بتلك البينات، فلما مات قالوا إنه ﴿لن يبعث الله من بعده رسولا﴾ وإنما حكموا بهذا الحكم على سبيل التشهي والتمني من غير حجة ولا برهان، بل إنما ذكروا ذلك ليكون ذلك أساسا لهم في تكذيب الأنبياء الذين يأتون بعد ذلك وليس في قولهم ﴿لن يبعث الله من بعد رسولا﴾ لأجل تصديق رسالة يوسف وكيف وقد شكوا فيها وكفروا بها وإنما هو تكذيب لرسالة من هو بعده مضموما إلى تكذيب رسالته، ثم قال :﴿كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب﴾ أي مثل هذا الضلال يضل الله كل مسرف في عصيانه مرتاب في دينه، قال الكعبي هذه الآية حجة لأهل القدر لأنه تعالى بين كفرهم، ثم بين أنه تعالى إنما أضلهم لكونهم مسرفين مرتابين، فثبت أن العبد ما لم يضل عن الدين، فإن الله تعالى لا يضله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى