إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود

عن الكتاب
﴿قَالُواْ﴾ أي الخزنةُ ﴿أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بالبينات﴾ أيْ ألم تُنبهوا على هَذا ولم تكُ تأتيكُم رسلُكم في الدُّنيا على الاستمرارِ بالحججِ الواضحةِ الدالةِ على سُوءِ مغبةٍ ما كنتُم عليهِ من الكُفرِ والمَعَاصِي، كَما في قولِه تعالى :﴿أَلَمْ يأْتِكُم رُسل مِنْكُم يَتْلونَ عَلَيْكُم آيات رَبِكُم وَيُنْذِرُونَكُم لِقَاء يَومِكُم هذا﴾ [ سورة الزمر، الآية٧١ ] أرادُوا بذلكَ إلزامَهُم وتوبيخَهُم على إضاعةِ أوقاتِ الدُّعاءِ وتعطيلِ أسبابِ الإجابةِ ﴿قَالُواْ بلى﴾ أي أتَونا بها فكذَّبناهُم كما نطقَ به قولُه تعالَى :﴿بلى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَيْء إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضلال كَبِيرٍ﴾ [ سورة الملك، الآية٩ ] والفاءُ في قولِه تعالَى :﴿قَالُواْ فادعوا﴾ فصحيةٌ كما في قولِ مَنْ قالَ :
فَقَدْ جِئْنَا خُرَاسَانا ***. . .
أيْ إذَا كانَ الأمرُ كذلكَ فادعُوا أنتُم فإنَّ الدعاءَ لمن يفعلُ ذلكَ مما يستحيلُ صدورُه عنَّا وتعليلُ امتناعِهم عنِ الدعاءِ بعدمِ الإذنِ فيه معَ عرائِه عن بيانِ أنَّ سبَبهُ من قبلِهم كَما تُفصحُ عنه الفاءُ رُبَّما يُوهُم أنَّ الإذنَ في حيزِ الإمكانِ وأنَّهم لو أُذنَ لهم فيهِ لفعلُوا ولم يريدُوا بأمرِهم بالدعاءِ إطماعَهُم في الإجابةِ بل إقناطَهم منَها وإظهارَ خيبتهم حسبما صرَّحُوا بهِ في قولِهم :﴿وَمَا دُعَاء الكافرين إِلاَّ فِي ضلال﴾ أي ضياعٍ وبُطلانٍ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى