تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ ) تأويله، والله أعلم : لا تكن يا محمد في شك بأن هؤلاء قد بلغوا في عبادتهم الأصنام والأوثان الحد الذي بلغ آباؤهم في عبادتهم الأصنام والأوثان، فأهلكوا : إذ بلغوا ذلك الحد. فهؤلاء أيضا قد بلغوا ذلك المبلغ أي مبلغ الهلاك، لكن الله برحمته وفضله أخر عنهم [ العذاب ][ ساقطة من الأصل وم ] إلى وقت.
أو يقال : إن هؤلاء قد بلغوا في العبادة لغير الله بعد نزول القرآن والحجة المبلغ الذي بلغ آباؤهم قبل نزول الحجة والبرهان في عبادتهم غير الله.
أو كان [ قوله ][ ساقطة من الأصل وم ] في قوم قد أظهروا الموافقة لهم، وكانوا يعبدون الأصنام في السر على ما كان يعبد آباؤهم، فقال : هؤلاء، وإن أظهروا الموافقة لك فقد بلغوا بصنيعهم في السر مبلغ آبائهم، والله أعلم. هذا يحتمل وجهين :
أحدهما : إخبار عن قوم خاص أنه لا يؤمن أحد منهم ليجعل شغلهم بغيرهم.
والثاني : إخبار ألا يؤمن جميع قومك كما لا يؤمن قوم موسى بأجمعهم. بل قد آمن منهم فريق، ولم يؤمن فريق، فعلى ذلك يكون قومك.
وقوله تعالى :( وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ ) قال بعضهم : قوله :( وإنا لموفوهم نصيبهم ) في الدنيا من الأرزاق، وما قدر لهم من النعم ( غير منقوص ) ولا ينقص ما قدر لهم، أي لا يهلكون حتى يوفي لهم.
وقال قائلون :( وإنا لموفوهم نصيبهم ) بأعمالهم غير منقوص ؛ أي لا ينقصون من أعمالهم شيئا، ولا يزادون عليه[ في الأصل وم : عليهم ] ؛ إن كان حسنا فحسن، وإن كان شرا فشر ؛ هو على الجزاء.
وقال بعضهم : قوله :( وإنا لموفوهم نصيبهم ) يقول : إنا نوفي لهم حظهم من العذاب في الآخرة ( غير منقوص ). عنهم ذلك العذاب وقوله تعالى :( وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص ) إن كان التأويل في قوله :( فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل ) على الإياس من قوم، علم الله أنهم لا يؤمنون، فيكون تأويله ما ذكر في آية أخرى :( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفي إليهم أعمالهم )الآية[هود: ١٥].
وإن كان في الثاني : فهو ما ذكر في آية أخرى :( وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم )[ هود١١١ ].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى