البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
قال في القوت، في تفسير ﴿الر﴾ : هذه ثلاثة أسماء :( الله، لطيف، رحيم ). وقيل : هي حرف من اسم الرحمان. قلت : أو مختصرة من الرسول ؛ خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم. ويمكن أي يشير بالحروف للعوالم الثلاثة ؛ فالألف لوحدة الجبروت، واللام لتدفق أنوار الملكوت، والراء لسريان إمداد الرحموت في سائر الموجودات، وأعظمها وعنصرها : نزول الكتاب العزيز. ولذلك بدأ بذكره، فقال :
﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ * ﴿أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ * ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ * ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ * ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
قلت :( كتاب ) : خبر، أي : هذا كتاب. و( أحكمت ) : صفة. و( من لدن ) : خبر ثان، أو خبر " كتاب " إن جعل مبتدأ، أو صفة له، إن كان خبراً. و( أَلاَّ تعبدوا ) :" أن " مفسرة، أو مصدرية في موضع مفعول لأجله، أو بدل من الآيات أو مستأنف. و( أن استغفروا ) : عطف عليه.
يقول الحق جل جلاله : أيها الرسول المصطفى، هذا الذي تقرؤه ﴿كتابٌ أحكمت آياته﴾ ؛ أتقنت، ونظمت نظماً محكماً، لا يعتريه خلل من جهة اللفظ ولا المعنى، أو أحكمت من النسخ بشريعة أخرى، أو أحكمت بالحُجج والبراهين، أو جعلت حكيمة ؛ لأنها مشتملة على أمهات الحكم العلمية. ﴿ثم فُصَّلتْ﴾ ؛ بُينت لاشتمالها على بيان العقائد والأحكام والمواعظ والأخبار. أو فصلت سورة سورة ؛ ليسهل حفظها. وفُصلت بالإنزال نجماً نجماً، في أزمنة مختلفة. أو فُصل فيها لُخص ما يحتاج إليه من الأحكام. و( ثم ) : للتفاوت في الحكم ؛ لأن الأحكام صفة ذاتية، والتفصيل إنما هو بحسب من يفصل له. نزل ذلك في الكتاب ﴿من لَّدنْ حكيمٍ خبيرٍ﴾، ولذلك كان محكماً مفصلاً بالغاً في ذلك الغاية ؛ لأن الحكيم الخبير لا يخفى عليه ما يخل بنظم الكلام.
قائلاً ذلك الكتاب : ألا تعبدوا معه غيره. وقال في القوت :﴿كتاب أحكمت آياته﴾ يعني : بالتوحيد، ﴿ثم فصلت﴾ أي : بالوعد والوعيد. ثم قال :﴿من لدن حكيم﴾ أي : بالإحكام للأحكام، ﴿خبير﴾ بالتفصيل للحلال والحرام.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : يقول الحق جل جلاله : هذا كتاب أحكمت آياته بالتعريف بالذات، ثم فصلت ببيان الصفات، أو : أحكمت بتبيين الحقائق، ثم فصلت بتبيين الشرائع : أو أحكمت ببيان ما يتعلق بعالم الأرواح من التعريف، ثم فصلت ببيان ما يتعلق بعالم الأشباح من التكليف، أو : أحكمت ببيان أسرار الملكوت، ثم فصلت ببيان أحكام الملك. ثم بيَّن ما يتعلق بالذات فقال :﴿ألا تعبدوا إلا الله﴾ وبيَّن ما يتعلق بالصفات من التفصيل فقال :﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾، أو : بيَّن ما يتعلق بالحقائق، ثم ما يتعلق بالشرائع، وهكذا. فإن جمعتم بين الحقائق والشرائع يمتعكم متاعاً حسناً ؛ بشهود ذاته، والتنزه في أنوار صفاته، إلى أجل مسمى، وهو : النزول في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ويؤت كل ذي فضل من المعرفة جزاء فضله من الشهود، فمن تولى عن هذا خاف من عذاب يوم كبير، وهو : غم الحجاب، والتخلف عن الأحباب. ثم عاتب أهل الشهود حيث تركوا مقام المشاهدة وتنزلوا إلى مقام المراقبة، بقوله :﴿ألا إنهم يثنون صدورهم...﴾، الآية.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى