السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني

عن الكتاب
ولما حكى تعالى عن نوح عليه السلام أنه دعا قومه إلى عبادة الله تعالى حكى عنهم أنهم طعنوا في نبوّته بثلاثة أنواع من الشبهات بقوله تعالى :﴿فقال الملأ الذين كفروا من قومه﴾ وهم الأشراف ﴿ما نراك إلا بشراً مثلنا﴾ هذه الشبهة الأولى، أي : أنك بشر مثلنا لا مزية لك علينا تخصك بالنبوّة ووجوب الطاعة، وإنما قالوا هذه المقالة وتمسكوا بهذه الشبهة جهلاً منهم ؛ لأنّ الله تعالى إذا اصطفى عبداً من عباده وأكرمه بنبوّته ورسالته وجب على من أرسله إليهم اتباعه. الشبهة الثانية : ما ذكره الله تعالى عنهم بقوله تعالى :﴿وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا﴾ أي : أسافلنا كالحاكة وأهل الصنائع الخسيسة، وهو جمع أرذل بفتح الهمزة كقوله تعالى :﴿أكابر مجرميها﴾ [ الأنعام، ١٢٣ ] وقوله صلى الله عليه وسلم :«أحاسنكم أخلاقاً » أو جمع أرذل بضم الذال جمع رذل بسكونها، فهو على الأوّل جمع مفرد وعلى الثاني جمع جمع، ثم قالوا : ولو كنت صادقاً لاتبعك الأكابر من الناس والأشراف منهم، وإنما قالوا ذلك جهلاً منهم أيضاً ؛ لأنّ الرفعة بالدين واتباع الرسول لا بالمناصب العالية والمال ﴿بادي الرأي﴾ أي : اتبعوك في أوّل الرأي من غير تثبت وتفكر في أمرك ولو تفكروا ما اتبعوك. ونصبه على الظرف، أي : وقت حدوث أوّل رأيهم. وقرأ أبو عمرو بادئ بهمزة مفتوحة بعد الدال والباقون بياء مفتوحة، وأبدل السوسي همزة الرأي ألفاً وقفاً ووصلاً. وأمّا حمزة فأبدلها وقفاً لا وصلاً. الشبهة الثالثة : ما ذكره الله تعالى عنهم في قوله تعالى :﴿وما نرى لكم﴾ أي : لك ولمن اتبعك ﴿علينا من فضل﴾ أي : بالمال والشرف والجاه تستحقون به الاتباع منا وهذا أيضاً جهل منهم ؛ لأنّ الفضيلة المعتبرة عند الله تعالى بالإيمان والطاعة لا بالشرف والرياسة. وقولهم :﴿بل نظنكم كاذبين﴾ خطاب لنوح عليه السلام في دعوى الرّسالة وأدرجوا قومه معه في الخطاب. وقيل : خاطبوه بلفظ الجمع على سبيل التعظيم. وقيل : كذبوه في دعوى النبوّة وكذبوا قومه في دعوى العلم بصدقه، فغلب المخاطب على الغائبين. ولما ذكروا هذه الشبهة لنوح عليه السلام.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى