جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فَقَالَ الملأ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاّ بَشَراً مّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتّبَعَكَ إِلاّ الّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرّأْيِ وَمَا نَرَىَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنّكُمْ كَاذِبِينَ﴾.
يقول تعالى ذكره : فقال الكبراء من قوم نوح وأشرافهم، وهم الملأ الذين كفروا بالله وجحدوا نبوّة نبيهم نوح عليه السلام : ما نَرَاكَ يا نوح إلاّ بَشَرا مِثْلَنا يعنون بذلك أنه آدميّ مثلُهم في الخلق والصورة والجنس، كأنهم كانوا منكرين أن يكون الله يرسل من البشر رسولاً إلى خلقه. وقوله : وَما نَرَاكَ اتّبَعَكَ إلاّ الّذِينَ هُمْ أرَاذِلُنا بادِيَ الرأيِ يقول : وما نراك اتبعك إلا الذين هم سَفِلتنا من الناس دون الكبراء والأشراف فيما يُرَى ويظهر لنا. وقوله : بادِيَ الرأيِ اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأته عامة قرّاء المدينة والعراق : بادِيَ الرأيِ بغير همز «البادي » وبهمز «الرأي »، بمعنى : ظاهر الرأي، من قولهم : بدا الشيء يبدو : إذا ظهر، كما قال الراجز :
أضْحَى لخالي شَبَهِي بادِيَ بَدِيْوصَارَ للفَحْلِ لِسانِي وَيَدِي
«بادي بدي » بغير همز. وقال آخر :
*** وَقَدْ عَلَتْنِي ذُرْأةٌ بادِي بَدِي ***
وقرأ ذلك بعض أهل البصرة :«بادئ الرأيِ » مهموز أيضا، بمعنى : مبتدأ الرأي، من قولهم : بدأت بهذا الأمر : إذا ابتدأت به قبل غيره.
وأولى القراءتينِ بالصواب في ذلك عندنا قراءة من قرأ : بادِيَ بغير همز «البادي »، وبهمز «الرأي »، لأن معنى ذلك الكلام : إلا الذين هم أراذلنا في ظاهر الرأي وفيما يظهر لنا.
وقوله : وَما نَرَى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ يقول : وما نتبين لكم علينا من فضل نلتموه بمخالفتكم إيانا في عبادة الأوثان إلى عبادة الله وإخلاص العبودة له، فنتبعكم طلب ذلك الفضل وابتغاء ما أصبتموه بخلافكم إيانا بَلْ نَظُنّكُمْ كاذِبِينَ وهذا خطاب منهم لنوح عليه السلام، وذلك أنهم إنما كذّبوا نوحا دون أتباعه، لأن أتباعه لم يكونوا رسلاً. وأخرج الخطاب وهو واحد مخرج خطاب الجميع، كما قيل : يا أيّها النّبِيّ إذا طَلّقْتُمُ النّساءَ وتأويل الكلام : بل نظنك يا نوح في دعواك أن الله ابتعثك إلينا رسولاً كاذبا.
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله بادِيَ الرأي قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجا، عن ابن جريج، عن عطاء الخُراسانيّ، عن ابن عباس، قوله : وَما نَرَاكَ اتّبَعَكَ إلاّ الّذِينَ هُمْ أرَاذِلُنا بادِيَ الرأيِ قال : فيما ظهر لنا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى