اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ﴾ الجمهور على " أوحِيَ " مبنياً للمفعول، والقائمُ مقام الفاعل ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ﴾ أي : أوحِيَ إليه عدمُ إيمان بعض القوم.
وقرأ أبو(١) البرهسم " أوْحَى " مبنياً للفاعل وهو الله - سبحانه وتعالى -، " إنَّهُ " بكسر الهمزة وفيها وجهان :
أحدهما :- وهو أصلٌ للبصريين - أنَّهُ على إضمار القول.
والثاني :- وهو أصلُ للكوفيين - أنَّهُ على إجراء الإيحاء مُجْرَى القول.
قوله " فَلاَ تَبْتَئِسْ " هو تفتعل من البُؤسِ، ومعناه الحزنُ في استكانة، ويقال : ابتأسَ فلانٌ، أي : بلغه ما يكرهه ؛ قال :[ البسيط ]
مَا يَقْسِمِ اللهُ أقْبَلَ غَيْرَ مُبْتَئِسٍمِنْهُ وأقْعُدْ كَرِيماً نَاعِمَ البَالِ(٢)
وقال آخر :[ البسيط ]
وكَمْ مِنْ خَليلٍ أوْ حَميمٍ رُزِئْتُهُفَلَمْ نَبْتَئِسْ والرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلِ(٣)

فصل


دلَّت هذه الآية على صحة القول بالقضاءِ والقدرِ ؛ لأنَّه تعالى أخبر بأنهم لا يؤمنون بعد ذلك، فلو حصل إيمانهم ؛ لكان إمَّا مع بقاءِ هذا الخبر صدقاً، ومع بقاء هذا العلم علماً، أو مع انقلاب هذا الخبر كذباً ومع انقلابِ هذا العلم جهلاً.
والأولُ باطلٌ ؛ لأنَّ وجود الإيمان مع أن يكون الإخبار عن عدمِ الإيمانِ صدقاً، ومع كون العلم بعد الإيمان حاصلاً حال وجود الإيمان جمعٌ بين النَّقيضين.
والثاني أيضاً باطلٌ ؛ لأنَّ انقلاب علم الله - تعالى - جهلاً وخبره كذباً محال، ولما كان صدور الإيمان منهم لا بدَّ وأن يكون على أحد هذين القسمين، وثبت أنَّ كلَّ واحدٍ منهما محالٌ كان صدور الإيمان منهم محالاً، مع أنَّهم كانوا مأمورين به، وأيضاً : فالقومُ كانُوا مأمورين بالإيمان، ومن الإيمان تصديق الله تعالى - في كُلِّ ما أخبر عنه، وقد أخبر أنَّهُ ﴿. . . لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ فينبغي أن يقال : إنَّهم كانُوا مأمورين بأن يؤمنوا بأنَّهم لا يؤمنون ألبتة، وذلك تكليفٌ بالجمع بين النَّقيضين.
١ ينظر: المحرر الوجيز ٣/١٦٨ والبحر المحيط ٥/٢٢١ والدر المصون ٤/٨٩٧..
٢ البيت لحسان بن ثابت ينظر: ديوانه (١٤٧) والبحر ٥/٢٢١ واللسان "بأس" والتفسير الكبير للرازي ١٧/٢٢١ معجم مقاييس اللغة (بأس) وشواهد الكشاف ٢/٤٨٩ والتهذيب ١٣/١٠٨ والكشاف ٢/١٩٣ والدر المصون ٤/٩٧..
٣ ينظر البيت في البحر المحيط ٥/٢٢١ والقرطبي ٩/٢١ واللسان (رزأ) والدر المصون ٤/٩٧..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى