الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ : أي : تَتَوَلَّوا فحذف إحدى التاءَيْن، ولا يجوز أن يكونَ ماضياً كقوله :" أَبْلَغْتكم "، ولا يجوزُ أن يُدَّعَى فيه الالتفات، إذ هو رَكاكَةٌ في التركيب وقد جَوَّزَ ذلك ابنُ عطية فقال :" ويُحْتمل أن يكون " تولَّوا " ماضياً، ويجيءُ في الكلام رجوعٌ من غَيْبة إلى خطاب ". وقلت : ويجوزُ أن يكونَ ماضياً لكن لمَدْرَكٍ آخرَ غيرِ الالتفات : وهو أن يكونَ على إضمار القول، أي : فقل لهم : قد أبلغْتُكم. ويترجَّح كونُه ماضياً بقراءة عيسى والثقفي والأعرج " فإن تُوَلُّوا " بضم التاء واللام، مضارعَ وَلَّى بضم التاءِ واللام مضارعَ وَلي، والأصل تُوَلِّيُوا فأُعِلَّ.
قال الزمخشري :" فإن قلتَ : الإِبلاغ كان قبل التولِّي فكيف وقع جزاءً للشرط ؟ قلت : معناه فإنْ تتولَّوا لم أعاتِبْ على تفريطٍ على الإِبلاغ، وكنتم محجوجين بأنَّ ما أَرْسَلْتُ به إليكم قد بلغكم فأبيتم إلا التكذيب.
قوله :﴿وَيَسْتَخْلِفُ﴾ العامَّةُ على رفعِه استئنافاً. وقال أبو البقاء " هو معطوفٌ على الجواب بالفاء ". وقرأ عبد اللَّه بن مسعود بتسكينه، وفيه وجهان : أحدهما : أن يكون سُكِّن تخفيفاً لتوالي الحركات : والثاني : أن يكونَ مجزوماً عطفاً على الجواب المقترن بالفاء، إذ مَحَلُّه الجزمُ وهو نظيرُ قولِه :﴿فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ وقد تقدَّم تحقيقُه، إلا أن القراءتين ثَمَّ في المتواتر.
قوله :﴿وَلاَ تَضُرُّونَهُ﴾ العامَّة على النون، لأنه مرفوعٌ على ما تقدَّم، وابنُ مسعودٍ بحذفها، وهذا يُعَيِّن أن يكونَ سكونُ " يستخلف " جزماً، ولذلك لم يذكر الزمخشري غيره ؛ لأنه ذكر جزمَ الفعلين، ولمَّا لم يذكرْ أبو البقاء الجزم في " تَضُرُّونه " جَوَّز الوجهين في " يَسْتخلف ".
و " شيئاً " مصدرٌ، أي : شيئاً من الضرر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى