جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿قَالُواْ يَلُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبّكَ لَن يَصِلُوَاْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مّنَ الْلّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاّ امْرَأَتَكَ إِنّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ إِنّ مَوْعِدَهُمُ الصّبْحُ أَلَيْسَ الصّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.
يقول تعالى ذكره : قالت الملائكة للوط لما قال لوط لقومه لَوْ أنّ لي بِكُمْ قُوّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ورأوا ما لَقِي من الكرب بسببهم منهم : يا لُوطُ إنّا رُسُلْ رَبّكَ أرسلنا لإهلاكهم، وإنهم لن يصلوا إليك وإلى ضيفك بمكروه، فهوّن عليك الأمر، فَأَسْرِ بأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللّيْلِ يقول : فاخرج من بين أظهرهم أنت وأهلك ببقية من الليل، يقال منه : أسرى وسَرَى، وذلك إذا سار بليل. وَلا يَلْتَفِتُ مِنْكُمْ أحَدٌ إلاّ امْرأتَكَ.
واختلفت القراءة في قراءة قوله : فأسْرِ فقرأ ذلك عامة قرّاء المكيين والمدنيين :«فاسْرِ » وصل بغير همز الألف من «سَرى ». وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة : فَأَسْرِ بهمز الألف من «أسرى » والقول عندي في ذلك أنهما قراءتان قد قرأ بكلّ واحدة منهما أهل قُدْوة في القراءة، وهما لغتان مشهورتان في العرب معناهما واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك.
وأما قوله : إلاّ امْرأتَكَ فإن عامة القرّاء من الحجاز والكوفة، وبعض أهل البصرة، قرأوا بالنصب إلاّ امْرأتَكَ بتأويل : فأسر بأهلك إلا امرأتك، وعلى أن لوطا أمر أن يسري بأهله سوى زوجته، فإنه نُهِي أن يُسْري بها، وأمر بتخليفها مع قومها. وقرأ ذلك بعض البصريين :«إلاّ امْرأتُكَ » رفعا، بمعنى : ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتُك، فإن لوطا قد أخرجها معه، وإنه نُهِي لوط ومن معه ممن أسرى معه أن يلتفتَ سوى زوجته، وإنها التفتت فهلكت لذلك.
وقوله : إنّهُ مُصِيبُها ما أصَابَهُمْ يقول : إنه مصيب امرأتك ما أصاب قومك من العذاب. إنّ مَوْعِدَهُمُ الصّبْحُ يقول : إن موعد قومك الهلاك الصبح. فاستبطأ ذلك منهم لوط، وقال لهم : بلى عجلوا لهم الهلاك فقالوا : ألَيْسَ الصّبْحُ بِقَرِيبٍ : أي عند الصبح نزول العذاب بهم. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق : ألَيْسَ الصّبْحُ بقَريبٍ : أي إنما ينزل بهم من صبح ليلتك هذه، فامض لما تؤمر.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال : فمضت الرسل من عند إبراهيم إلى لوط، فلما أتوا لوطا، وكان من أمرهم ما ذكر الله، قال جبرئيل للوط : يا لُوطُ إنّا مُهْلِكُوا أهْل هَذِهِ القَرْيَةِ إنّ أهْلَها كَانُوا ظَالِمِينَ فقال لهم لوط : أهلكوهم الساعة فقال له جبرئيل عليه السلام : إن مَوْعِدَهُمُ الصّبْحُ ألَيْسَ الصّبْحُ بقَرِيبٍ فأنزلت على لوط : ألَيْسَ الصّبْحُ بقَرِيبٍ قال : فأمره أن يَسْري بأهله بِقطْع من الليل، ولا يلتفت منهم أحد إلا امرأته. قال : فسار، فلما كانت الساعة التي أهلكوا فيها أدخل جبرئيل جناحه فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الدّيَكة ونُباح الكلاب، فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليها حجارة منِ سجّيل، قال : وسمعت امرأة لوط الهَدّة، فقالت : واقوماه فأدركها حجر فقتلها.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية، قال : كان لوط أخذ على امرأته أن لا تذيع شيئا من سرّ أضيافه، قال : فلما دخل عليه جبرئيل ومن معه، رأتهم في صورة لم تر مثلها قطا فانطلقت تسعى إلى قومها، فأتت النادي فقالت بيدها هكذا، وأقبلوا يُهْرَعون مشيا بين الهرولة والجمز. فلما انتهوا إلى لوط قال لهم لوط ما قال الله في كتابه، قال جبرئيل : يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ قال : فقال بيده، فطمس أعينهم، فجعلوا يطلبونهم، يلمُسون الحيطان وهم لا يبصرون.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن حذيفة، قال : لما بصرت بهم يعني بالرسل عجوز السّوء امرأته انطلقت فأنذرتهم فقالت : إنه تَضَيّفَ لوطا قوم ما رأيت قوما أحسن وجوها قال : ولا أعلمه إلا قالت : ولا أشدّ بياضا وأطيب ريحا. قال : فأتوه يهرعون إليه، كما قال الله، فأصفق لوط الباب، قال : فجعلوا يعالجونه، قال : فاستأذن جبرئيل ربه في عقوبتهم، فأذن له، فصفقهم بجناحه، فتركهم عميانا يتردّدون في أخبث ليلة ما أتت عليهم قطّ، فأخبروه إنّا رسُلُ رَبّكَ فَأَسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللّيْلِ قال : ولقد ذكر لنا أنه كانت مع لوط حين خرج من القرية امرأته، ثم سمعت الصوت، فالتفتت وأرسل الله عليها حجرا فأهلكها. وقوله : إنّ مَوْعِدَهُمُ الصّبْحُ ألَيْسَ الصّبْحُ بقَرِيبٍ فأراد نبيّ الله ما هو أعجل من ذلك، فقالوا أليس الصبح بقريب ؟
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا الحكم بن بشير، قال : حدثنا عمرو بن قيس الملائي، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، قال : انطلقت امرأته يعني امرأة لوط حين رأتهم، يعني حين رأت الرسل إلى قومها، فقالت : إنه قد ضافه الليلة قوم ما رأيت مثلهم قط أحسن وجوها ولا أطيب ريحا فجاءوا يُهْرَعون إليه، فبادرهم لوط إلى أن يزجهم على الباب، فقال : هَؤُلاءِ بَناتي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ فقالوا : أو لَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ. فدخلوا على الملائكة، فتناولتهم الملائكة وطمست أعينهم، فقالوا : يا لوط جئتنا بقوم سحرة سحرونا كما أنت حتى تصبح قال : واحتمل جبرئيل قُرَيات لوط الأربع، في كل قرية مئة ألف، فرفعهم على جناحه بين السماء والأرض، حتى سمع أهل السماء الدنيا أصوات دِيَكتهم، ثم قلبهم، فجعل الله عاليها سافلها.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال : قال حذيفة : لما دخلوا عليه، ذهبت عجوزه عجوز السوّء، فأتت قومها، فقالت : لقد تضيفّ لوطا الليلة قوم ما رأيت قوما قطّ أحسن وجوها منهم قال : فجاءوا يسرعون، فعاجلهم لوط، فقام ملك فلزّ الباب يقول : فسدّه واستأذن جبرئيل في عقوبتهم، فأذن له، فضربهم جبرئيل بجناحه، فتركهم عميانا، فباتوا بشرّ ليلة، ثم قالُوا إنّا رُسُلُ رَبّكَ فَأَسْرِ بأهْلِكَ بقِطْعٍ مِنَ اللّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أحَدٌ إلاّ امْرأتَكَ قال : فبلغنا أنها سمعت صوتا، فالتفتت فأصابها حجر، وهي شاذّة من القوم، معلوم مكانها.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، عن حذيفة بنحوه، إلا أنه قال : فعاجلهم لوط.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : لما قال لوط : لَوْ أنّ لي بِكُمْ قُوّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ بسط حينئذ جبريل عليه جناحيه، ففقأ أعينهم وخرجوا يدوس بعضهم في أدبار بعض عميانا يقولون : النجاء النجاء فإن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض فذلك قوله : وَلقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهَمْ. وقالوا للوط : إنّا رُسُلُ رَبّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فأَسْرِ بأهْلِكَ بِقطْعٍ مِنَ اللّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أحَدٌ إلاّ امْرأتَكَ إنّهُ مُصِيبُها واتبع أدبار أهلك يقول : سر بهم، وَامْضوا حَيْثُ تؤْمَرُونَ فأخرجهم الله إلى الشأم، وقال لوط : أهلكوهم الساعة فقالوا : إنا لم نؤمر إلا بالصبح، أليس الصبح بقريب ؟ فلما أن كان السّحَر خرج لوط وأهله معه امرأته، فذلك قوله : إلاّ آلَ لُوطٍ نَجّيْناهُمْ بِسَحَرٍ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، عن عبد الصمد أنه سمع وهب بن منبه يقول : كان أهل سَدُوم الذين فيهم لوط قوما قد استغنوا عن النساء بالرجال فلما رأى الله ذلك بعث الملائكة ليعذّبوهم، فأتوا إبراهيم، وكان من أمره وأمرهم ما ذكر الله في كتابه. فلما بشّروا سارَة بالولد، قاموا وقام معهم إبراهيم يمشي، قال : أخبروني لم بُعِثتم وما خَطْبكم ؟ قالوا : إنا أرسلنا إلى أهل سدوم لندمّرها، وإنهم قوم سوء قد استغنوا بالرجال عن النساء. قال إبراهيم : إن كان فيهم خمسون رجلاً صالحا ؟ قالوا : إذن لا نعذبهم. فجعل ينقص حتى قال أهل البيت، قال : فإن كان فيها بيت صالح ؟ قال : فلوط وأهل بيته. قالوا : إن امرأته هواها معهم. فلما يئس إبراهيم انصرف ومضوا إلى أهل سَدُوم، فدخلوا على لوط فلما رأتهم امرأته أعجبها حسنهم وجمالهم، فأرسلت إلى أهل القرية إنه قد نزل بنا قوم لم يُرَ قوم قط أحسن منهم ولا أجمل فتسامعوا بذلك، فغشوا دار لوط من كل ناحية وتسوروا عليهم الجدران. فلقيهم لوط، فقال : يا قوم لا تفضحوني في ضيفي، وأنا أزوّجكم بناتي فهن أطهر لكم فقالوا : لو كنا نريد بناتك لقد عرفنا مكانهنّ، فقال : لَوْ أنّ لي بِكُمْ قُوّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ. فوجد عليه الرسل، قالوا : إن ركنك لشديد، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود فمسح أحدهم أعينهم بجناحيه، فطمس أبصارهم، فقالوا : سحرنا، انصرفوا بنا حتى نرجع إليه فكان من أمرهم ما قد قصّ الله تعالى في كتابه. فأدخل ميكائيل وهو صاحب العذاب جناحه حتى بلغ أسفل الأرض، فقلبها، ونزلت حجارة من السماء، فتتبعت من لم يكن منهم في القرية حيث كانوا، فأهلكهم الله، ونجى لوطا وأهله، إلا امرأته.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، وعن أبي بكر بن عبد الله وأبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، عن حذيفة، دخل حديث بعضهم في بعض، قال : كان إبراهيم عليه السلام يأتيهم فيقول : ويْحَكم أنهاكم عن الله أن تَعَرضوّا لعقوبته، حتى إذا بلغ الكتاب أجله لمحلّ عذابهم وسطوات الربّ بهم. قال : فانتهت الملائكة إلى لوط وهو يعمل في أرض له، فدعاهم إلى الضيافة، فقالوا : إنا مضيفوك الليلة. وكان الله تعالى عهد إلى جبريل عليه السلام أن لا تعذبهم حتى يشهد عليهم لوط ثلاث شهادات فلما توجه بهم لوط إلى الضيافة، ذكر ما يعمل قومه من الشرّ والدواهي العظام، فمشي معهم ساعة، ثم التفت إليهم، فقال : أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية ؟ ما أعلم على وجه الأرض شرّا منهم، أين أذهب بكم إلى قومي وهم شرّ خلق الله فالتفت جبرئيل إلى الملائكة فقال : احفظوا هذه واحدة ثم مشى ساعة فلما توسط القرية وأشفق عليهم واستحيا منهم، قال : أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية ؟ وما أعلم على وجه الأرض شرّا منهم، إن قومي شرّ خلق الله فالتفت جبرئيل إلى الملائكة، فقال : احفظوا هاتان ثنتان فلما انتهى إلى باب الدار بكى حياء منهم وشفقة عليهم وقال : إن قومي شرّ خلق الله، أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية ؟ ما أعلم على وجه الأرض أهل قرية شرّا منهم فقال جبريل للملائكة : احفظوا هذه ثلاث قد حَقّ العذاب. فلما دخلوا ذهبت عجوزه، عجوز السوء، فصعدت فلوّحت بثوبها، فأتاها الفسّاق يهرعون سراعا، قالوا : ما عندك ؟ قالت : ضيّف لوط الليلة
يقول تعالى ذكره : قالت الملائكة للوط لما قال لوط لقومه لَوْ أنّ لي بِكُمْ قُوّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ورأوا ما لَقِي من الكرب بسببهم منهم : يا لُوطُ إنّا رُسُلْ رَبّكَ أرسلنا لإهلاكهم، وإنهم لن يصلوا إليك وإلى ضيفك بمكروه، فهوّن عليك الأمر، فَأَسْرِ بأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللّيْلِ يقول : فاخرج من بين أظهرهم أنت وأهلك ببقية من الليل، يقال منه : أسرى وسَرَى، وذلك إذا سار بليل. وَلا يَلْتَفِتُ مِنْكُمْ أحَدٌ إلاّ امْرأتَكَ.
واختلفت القراءة في قراءة قوله : فأسْرِ فقرأ ذلك عامة قرّاء المكيين والمدنيين :«فاسْرِ » وصل بغير همز الألف من «سَرى ». وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة : فَأَسْرِ بهمز الألف من «أسرى » والقول عندي في ذلك أنهما قراءتان قد قرأ بكلّ واحدة منهما أهل قُدْوة في القراءة، وهما لغتان مشهورتان في العرب معناهما واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك.
وأما قوله : إلاّ امْرأتَكَ فإن عامة القرّاء من الحجاز والكوفة، وبعض أهل البصرة، قرأوا بالنصب إلاّ امْرأتَكَ بتأويل : فأسر بأهلك إلا امرأتك، وعلى أن لوطا أمر أن يسري بأهله سوى زوجته، فإنه نُهِي أن يُسْري بها، وأمر بتخليفها مع قومها. وقرأ ذلك بعض البصريين :«إلاّ امْرأتُكَ » رفعا، بمعنى : ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتُك، فإن لوطا قد أخرجها معه، وإنه نُهِي لوط ومن معه ممن أسرى معه أن يلتفتَ سوى زوجته، وإنها التفتت فهلكت لذلك.
وقوله : إنّهُ مُصِيبُها ما أصَابَهُمْ يقول : إنه مصيب امرأتك ما أصاب قومك من العذاب. إنّ مَوْعِدَهُمُ الصّبْحُ يقول : إن موعد قومك الهلاك الصبح. فاستبطأ ذلك منهم لوط، وقال لهم : بلى عجلوا لهم الهلاك فقالوا : ألَيْسَ الصّبْحُ بِقَرِيبٍ : أي عند الصبح نزول العذاب بهم. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق : ألَيْسَ الصّبْحُ بقَريبٍ : أي إنما ينزل بهم من صبح ليلتك هذه، فامض لما تؤمر.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال : فمضت الرسل من عند إبراهيم إلى لوط، فلما أتوا لوطا، وكان من أمرهم ما ذكر الله، قال جبرئيل للوط : يا لُوطُ إنّا مُهْلِكُوا أهْل هَذِهِ القَرْيَةِ إنّ أهْلَها كَانُوا ظَالِمِينَ فقال لهم لوط : أهلكوهم الساعة فقال له جبرئيل عليه السلام : إن مَوْعِدَهُمُ الصّبْحُ ألَيْسَ الصّبْحُ بقَرِيبٍ فأنزلت على لوط : ألَيْسَ الصّبْحُ بقَرِيبٍ قال : فأمره أن يَسْري بأهله بِقطْع من الليل، ولا يلتفت منهم أحد إلا امرأته. قال : فسار، فلما كانت الساعة التي أهلكوا فيها أدخل جبرئيل جناحه فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الدّيَكة ونُباح الكلاب، فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليها حجارة منِ سجّيل، قال : وسمعت امرأة لوط الهَدّة، فقالت : واقوماه فأدركها حجر فقتلها.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية، قال : كان لوط أخذ على امرأته أن لا تذيع شيئا من سرّ أضيافه، قال : فلما دخل عليه جبرئيل ومن معه، رأتهم في صورة لم تر مثلها قطا فانطلقت تسعى إلى قومها، فأتت النادي فقالت بيدها هكذا، وأقبلوا يُهْرَعون مشيا بين الهرولة والجمز. فلما انتهوا إلى لوط قال لهم لوط ما قال الله في كتابه، قال جبرئيل : يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ قال : فقال بيده، فطمس أعينهم، فجعلوا يطلبونهم، يلمُسون الحيطان وهم لا يبصرون.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن حذيفة، قال : لما بصرت بهم يعني بالرسل عجوز السّوء امرأته انطلقت فأنذرتهم فقالت : إنه تَضَيّفَ لوطا قوم ما رأيت قوما أحسن وجوها قال : ولا أعلمه إلا قالت : ولا أشدّ بياضا وأطيب ريحا. قال : فأتوه يهرعون إليه، كما قال الله، فأصفق لوط الباب، قال : فجعلوا يعالجونه، قال : فاستأذن جبرئيل ربه في عقوبتهم، فأذن له، فصفقهم بجناحه، فتركهم عميانا يتردّدون في أخبث ليلة ما أتت عليهم قطّ، فأخبروه إنّا رسُلُ رَبّكَ فَأَسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللّيْلِ قال : ولقد ذكر لنا أنه كانت مع لوط حين خرج من القرية امرأته، ثم سمعت الصوت، فالتفتت وأرسل الله عليها حجرا فأهلكها. وقوله : إنّ مَوْعِدَهُمُ الصّبْحُ ألَيْسَ الصّبْحُ بقَرِيبٍ فأراد نبيّ الله ما هو أعجل من ذلك، فقالوا أليس الصبح بقريب ؟
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا الحكم بن بشير، قال : حدثنا عمرو بن قيس الملائي، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، قال : انطلقت امرأته يعني امرأة لوط حين رأتهم، يعني حين رأت الرسل إلى قومها، فقالت : إنه قد ضافه الليلة قوم ما رأيت مثلهم قط أحسن وجوها ولا أطيب ريحا فجاءوا يُهْرَعون إليه، فبادرهم لوط إلى أن يزجهم على الباب، فقال : هَؤُلاءِ بَناتي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ فقالوا : أو لَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ. فدخلوا على الملائكة، فتناولتهم الملائكة وطمست أعينهم، فقالوا : يا لوط جئتنا بقوم سحرة سحرونا كما أنت حتى تصبح قال : واحتمل جبرئيل قُرَيات لوط الأربع، في كل قرية مئة ألف، فرفعهم على جناحه بين السماء والأرض، حتى سمع أهل السماء الدنيا أصوات دِيَكتهم، ثم قلبهم، فجعل الله عاليها سافلها.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال : قال حذيفة : لما دخلوا عليه، ذهبت عجوزه عجوز السوّء، فأتت قومها، فقالت : لقد تضيفّ لوطا الليلة قوم ما رأيت قوما قطّ أحسن وجوها منهم قال : فجاءوا يسرعون، فعاجلهم لوط، فقام ملك فلزّ الباب يقول : فسدّه واستأذن جبرئيل في عقوبتهم، فأذن له، فضربهم جبرئيل بجناحه، فتركهم عميانا، فباتوا بشرّ ليلة، ثم قالُوا إنّا رُسُلُ رَبّكَ فَأَسْرِ بأهْلِكَ بقِطْعٍ مِنَ اللّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أحَدٌ إلاّ امْرأتَكَ قال : فبلغنا أنها سمعت صوتا، فالتفتت فأصابها حجر، وهي شاذّة من القوم، معلوم مكانها.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، عن حذيفة بنحوه، إلا أنه قال : فعاجلهم لوط.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : لما قال لوط : لَوْ أنّ لي بِكُمْ قُوّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ بسط حينئذ جبريل عليه جناحيه، ففقأ أعينهم وخرجوا يدوس بعضهم في أدبار بعض عميانا يقولون : النجاء النجاء فإن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض فذلك قوله : وَلقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهَمْ. وقالوا للوط : إنّا رُسُلُ رَبّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فأَسْرِ بأهْلِكَ بِقطْعٍ مِنَ اللّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أحَدٌ إلاّ امْرأتَكَ إنّهُ مُصِيبُها واتبع أدبار أهلك يقول : سر بهم، وَامْضوا حَيْثُ تؤْمَرُونَ فأخرجهم الله إلى الشأم، وقال لوط : أهلكوهم الساعة فقالوا : إنا لم نؤمر إلا بالصبح، أليس الصبح بقريب ؟ فلما أن كان السّحَر خرج لوط وأهله معه امرأته، فذلك قوله : إلاّ آلَ لُوطٍ نَجّيْناهُمْ بِسَحَرٍ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، عن عبد الصمد أنه سمع وهب بن منبه يقول : كان أهل سَدُوم الذين فيهم لوط قوما قد استغنوا عن النساء بالرجال فلما رأى الله ذلك بعث الملائكة ليعذّبوهم، فأتوا إبراهيم، وكان من أمره وأمرهم ما ذكر الله في كتابه. فلما بشّروا سارَة بالولد، قاموا وقام معهم إبراهيم يمشي، قال : أخبروني لم بُعِثتم وما خَطْبكم ؟ قالوا : إنا أرسلنا إلى أهل سدوم لندمّرها، وإنهم قوم سوء قد استغنوا بالرجال عن النساء. قال إبراهيم : إن كان فيهم خمسون رجلاً صالحا ؟ قالوا : إذن لا نعذبهم. فجعل ينقص حتى قال أهل البيت، قال : فإن كان فيها بيت صالح ؟ قال : فلوط وأهل بيته. قالوا : إن امرأته هواها معهم. فلما يئس إبراهيم انصرف ومضوا إلى أهل سَدُوم، فدخلوا على لوط فلما رأتهم امرأته أعجبها حسنهم وجمالهم، فأرسلت إلى أهل القرية إنه قد نزل بنا قوم لم يُرَ قوم قط أحسن منهم ولا أجمل فتسامعوا بذلك، فغشوا دار لوط من كل ناحية وتسوروا عليهم الجدران. فلقيهم لوط، فقال : يا قوم لا تفضحوني في ضيفي، وأنا أزوّجكم بناتي فهن أطهر لكم فقالوا : لو كنا نريد بناتك لقد عرفنا مكانهنّ، فقال : لَوْ أنّ لي بِكُمْ قُوّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ. فوجد عليه الرسل، قالوا : إن ركنك لشديد، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود فمسح أحدهم أعينهم بجناحيه، فطمس أبصارهم، فقالوا : سحرنا، انصرفوا بنا حتى نرجع إليه فكان من أمرهم ما قد قصّ الله تعالى في كتابه. فأدخل ميكائيل وهو صاحب العذاب جناحه حتى بلغ أسفل الأرض، فقلبها، ونزلت حجارة من السماء، فتتبعت من لم يكن منهم في القرية حيث كانوا، فأهلكهم الله، ونجى لوطا وأهله، إلا امرأته.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، وعن أبي بكر بن عبد الله وأبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، عن حذيفة، دخل حديث بعضهم في بعض، قال : كان إبراهيم عليه السلام يأتيهم فيقول : ويْحَكم أنهاكم عن الله أن تَعَرضوّا لعقوبته، حتى إذا بلغ الكتاب أجله لمحلّ عذابهم وسطوات الربّ بهم. قال : فانتهت الملائكة إلى لوط وهو يعمل في أرض له، فدعاهم إلى الضيافة، فقالوا : إنا مضيفوك الليلة. وكان الله تعالى عهد إلى جبريل عليه السلام أن لا تعذبهم حتى يشهد عليهم لوط ثلاث شهادات فلما توجه بهم لوط إلى الضيافة، ذكر ما يعمل قومه من الشرّ والدواهي العظام، فمشي معهم ساعة، ثم التفت إليهم، فقال : أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية ؟ ما أعلم على وجه الأرض شرّا منهم، أين أذهب بكم إلى قومي وهم شرّ خلق الله فالتفت جبرئيل إلى الملائكة فقال : احفظوا هذه واحدة ثم مشى ساعة فلما توسط القرية وأشفق عليهم واستحيا منهم، قال : أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية ؟ وما أعلم على وجه الأرض شرّا منهم، إن قومي شرّ خلق الله فالتفت جبرئيل إلى الملائكة، فقال : احفظوا هاتان ثنتان فلما انتهى إلى باب الدار بكى حياء منهم وشفقة عليهم وقال : إن قومي شرّ خلق الله، أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية ؟ ما أعلم على وجه الأرض أهل قرية شرّا منهم فقال جبريل للملائكة : احفظوا هذه ثلاث قد حَقّ العذاب. فلما دخلوا ذهبت عجوزه، عجوز السوء، فصعدت فلوّحت بثوبها، فأتاها الفسّاق يهرعون سراعا، قالوا : ما عندك ؟ قالت : ضيّف لوط الليلة