المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
﴿لا يجرمنكم﴾ معناه : لا يكسبنكم، يقال : جرمه كذا وكذا وأجرمه إذا أكسبه، كما يقال : كسب وأكسب بمعنى(١)، ومن ذلك قول الشاعر :
ولقد طعنت أبا عيينة طعنةجرمت فزارة بعدها أن يغضبوا(٢)
وقرأ الجمهور «يَجرمنكم » بفتح الياء، وقرأ الأعمش وابن وثاب «يُجرمنكم » بضمها، و ﴿شقاقي﴾ معناه : مشاقتي وعداوتي(٣)، و ﴿أن﴾ مفعولة ب ﴿يجرمنكم﴾.
وكانت قصة قوم لوط أقرب القصص عهداً بقصة قوم شعيب، وقد يحتمل أن يريد وما منازل قوم لوط منكم ببعيد، فكأنه قال : وما قوم لوط منكم ببعيد بالمسافة، ويتضمن هذا القول ضرب المثل لهم بقوم لوط.
وقرأ الجمهور «مثلُ » بالرفع على أنه فاعل ﴿يصبكم﴾ وقرأ مجاهد والجحدري وابن أبي إسحاق «مثلَ » بالنصب، وذلك على أحد وجهين : إما أن يكون «مثل » فاعلاً، وفتحة اللام فتحة بناء لما أضيف لغير متمكن، فإن «مثل » قد يجري مجرى الظروف في هذا الباب وإن لمن يكن ظرفاً محضاً.
وإما أن يقدر الفاعل محذوفاً يقتضيه المعنى، ويكون «مثلَ » منصوباً على النعت لمصدر محذوف تقديره : إصابة مثل.
١ - (جرم) في التعدية مثل (كسب)، يتعدى إلى واحد فتقول: جرم فلان الذنب، وكسب زيد المال، ويتعدى إلى اثنين فتقول: جرمت زيدا الذنب، وكسبت زيدا المال، وبالألف يتعدى إلى اثنين أيضا، تقول: أجرم زيد عمرا الذنب، وأكسبت زيدا المال..
٢ - هذا البيت قاله أسماء بن الضريبة، وفزارة تروى مرفوعة بمعنى حق لها الغضب، وتروى منصوبة والمعنى: جرمتهم الطعنة أن يغضبوا، والمشهور "طعنت" بتاء المتكلم، ولكن الصواب أنه يخاطب غيره فهي بالفتح. (راجع اللسان والتاج) هذا وقد سبق الاستشهاد بهذا البيت في المائدة، وفي غيرها..
٣ - (شقاقي) في موضع رفع، و﴿أن يصيبكم﴾ في موضع نصب، والمعنى: لا تحملنكم معاداتي على ترك الإيمان فيصيبكم ما أصاب الكفار، وهذا قول الحسن وقتادة، والشقاق بمعنى العداوة، لأن كل واحد في شقّ، ومنه قول الأخطل:
ألا من مبلغ عني رسولا فكيف وجدتم طعم الشقاق؟
والمراد بالرسول هنا الرسالة، وهي ما ذكره في الشطر الثاني، أي: كيف وجدتم نتيجة العداوة؟.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى