البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
أرسلناه ﴿إلى فرعون وملئه﴾ ؛ جماعته، ﴿فاتبعوا أمرَ فرعون﴾ أي : اتبعوا أمره بالكفر بموسى، أو : فما اتبعوا موسى الهادي إلى الحق، المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة، واتبعوا طريقة فرعون المنهمك في الضلالة والطغيان، الداعي إلى ما لا يخفى فساده على من له أدنى مسكة من العقل ؛ لفرط جهالتهم، وعدم استبصارهم، ﴿وما أمرُ فرعون برشيد﴾ أي : ليس أمره برشد وصواب، وإنما هو غي وضلال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إذا أردتَ أن تعرف قدر الرجل في مرتبة الخصوصية ؛ فاسأل عن إمامه الذي يقتدى به، فإن كان من أهل الخصوصية فصاحبه من الخصوص، إن دامت صحبته معه، وإن كان من العموم فصاحبه من العموم. والمراد بالخصوصية : تحقيق مقام الفناء، ودخول بلاد المعاني. فكل من لم يحصل مقام الفناء، ولم يشهد إلا المحسوسات فهو من العوام، ولو بلغ من العلم والعمل ما بلغ، ولو رأى من الكرامات أمثال الجبال. فمن صحب مثل هذا الذي لم يفن عن نفسه، ولم يخرج عن دائرة حسه، لم يخرج من العمومية ؛ لأن نفسه فرعونية. قال تعالى :﴿وما أمر فرعون برشيد﴾، وفي الخبر :" المَرْءُ على دين خليله " وقال الشاعر(١) :
عن المرءِ لا تسأل وسَلْ عن قرينهفكلُّ قرينٍ بالمُقارَنِ يَقْتَدي
والله تعالى أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى