المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله :﴿لنسكننكم﴾ الخطاب للحاضرين، والمراد هم وذريتهم، ويترتب هذا المعنى في قوله :﴿ويؤخركم إلى أجل مسمى﴾ [إبراهيم: ١٠] أي يؤخركم وأعقابكم.
وقرأ أبو حيوة :«ليهلكن » و «ليسكننكم » بالياء فيهما(١).
وقوله :﴿مقامي﴾ يحتمل أن يريد به المصدر من القيام على الشيء بالقدرة، ويحتمل أن يريد به الظرف لقيام العبد بين يديه في الآخرة، فإضافته - إذا كان مصدراً - إضافة المصدر إلى الفاعل، وإضافته - إذا كان ظرفاً - إضافة الظرف إلى حاضره، أي مقام حسابي، فجائز قوله :﴿مقامي﴾ وجائز لو قال : مقامه، وجائز لو قال : مقام العرض والجزاء، وهذا كما تقول : دار الحاكم ودار الحكم ودار المحكوم عليهم.
وقال أبو عبيدة :﴿مقامي﴾ مجازه، حيث أقيمه بين يدي للحساب(٢)، و «الاستفتاح » طلب الحكم، والفتاح : الحاكم، والمعنى : أن الرسل استفتحوا، أي سألوا الله تعالى إنفاذ الحكم بنصرهم وتعذيب الكفرة، ويل : بل استفتح الكفار، على نحو قول قريش ﴿عجل لنا قطنا﴾(٣) [ص: ١٦] وعلى نحو قول أبي جهل في بدر اللهم أقطعنا للرحم وأتانا بما لا يعرف فاحنه الغداة(٤). هذا قول أبي زيد.
١ اعتبارا بقوله: ﴿فأوحى إليهم ربهم﴾، إذ لفظه لفظ الغائب..
٢ وقال الفراء في "معاني القرآن": "معناه: ذلك لمن خاف مقامه بين يدي، ومثله قوله تعالى: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾، معناه: رزقي إياكم، والعرب تضيف أفعالها إلى أنفسها وإلى ما أوقعت عليه، فيقولون: ندمت على ضربي إياك ـ و ندمت على ضربك، فهذا من ذلك"..
٣ يريدون: كتاب حسابنا، أو نصيبنا. و هي من الآية (١٦) من سورة (ص)..
٤ أحنة الغداة: اجعل حينه (أي وقت وفاته) سريعا في الغد..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى