البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
ومن ورائه قال أبو عبيدة وابن الأنباري أي : من بعده.
وقال الشاعر :
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة. . .وليس وراء الله للمرء مهرب
وقال أبو عبيدة أيضاً، وقطرب، والطبري، وجماعة : ومن ورائه أي ومن أمامه، وهو معنى قول الزمخشري : من بين يديه.
وأنشد :
عسى الكرب الذي أمسيت فيه. .يكون وراء فرج قريب
وهذا وصف حاله في الدنيا، لأنه مرصد لجهنم، فكأنها بين يديه وهو على شفيرها، أو وصف حاله في الآخرة حين يبعث ويوقف.
وقال الشاعر :
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتيوقوم تميم والفلاة ورائيا
وقال آخر :
أليس ورائي إن تراخت منيتيلزوم العصا نحني عليها الأصابع
ووراء من الأضداد قاله : أبو عبيدة والأزهري.
وقيل : ليس من الأضداد.
وقال ثعلب : اسم لما توارى عنك، سواء كان أمامك أم خلفك.
وقيل : بمعنى من خلفه أي : في طلبه كما تقول الأمر من ورائك أي : سوف يأتيك.
ويسقى معطوف على محذوف تقديره : يلقى فيها ويسقى، أو معطوف على العامل في من ورائه، وهو واقع موقع الصفة.
وارتفاع جهنم على الفاعلية، والظاهر إرادة حقيقة الماء.
وصديد قال ابن عطية : هو نعت لماء، كما تقول : هذا خاتم حديد وليس بماء، لكنه لما كان بدل الماء في العرف عندنا يعني أطلق عليه ماء.
وقيل : هو نعت على إسقاط أداة التشبيه كما تقول : مررت برجل أسد التقدير : مثل صديد.
فعلى قول ابن عطية هو نفس الصديد وليس بماء حقيقة، وعلى هذا القول لا يكون صديداً ولكنه ما يشبه بالصديد.
وقال الزمخشري : صديد عطف بيان لماء قال : ويسقى من ماء، فأبهمه إبهاماً، ثم بينه بقوله : صديد انتهى.
والبصريون لا يجيزون عطف البيان في النكرات، وأجازه الكوفيون وتبعهم الفارسي، فأعرب ﴿زيتونة﴾ عطف بيان ﴿لشجرة مباركة﴾ فعلى رأي البصريين لا يجوز أن يكون قوله : صديد، عطف بيان.
وقال الحوفي : صديد نعت لماء.
وقال مجاهد، وقتادة، والضحاك : هو ما يسيل من أجساد أهل النار.
وقال محمد بن كعب والربيع : هو غسالة أهل النار في النار.
وقيل : هو ما يسيل من فروج الزناة والزواني.
وقيل : صديد بمعنى مصدود عنه أي : لكراهته يصد عنه، فيكون مأخوذاً عنه من الصد.
وذكر ابن المبارك من حديث أبي أمامة عن الرسول قاله في قوله :﴿ويسقى من ماء صديد يتجرعه﴾ قال :«يقرب إليه فيتكرهه، فإذا أدنى منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، وإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره »

تفسير هذه الآية من كتب أخرى