زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه بمعنى القدام، قال ابن عباس، يريد : أمامه جهنم. وقال أبو عبيدة :" من ورائه " أي : قدامه وأمامه، يقال : الموت من ورائك، أنشد :
أترجو بنو مروان سمعي وطاعتيوقومي تميم والفلاة ورائيا
والثاني : أنها بمعنى :" بعد "، قال ابن الأنباري :" من ورائه " أي : من بعد يأسه، فدل " خاب " على اليأس، فكنى عنه، وحملت " وراء " على معنى :" بعد " كما قال النابغة :
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةوليس وراء الله للمرء مذهب
أراد : ليس بعد الله مذهب. قال الزجاج : والوراء يكون بمعنى الخلف والقدام، لأن ما بين يديك وما قدامك إذا توارى عنك فقد صار وراءك، قال الشاعر :
أليس ورائي إن تراخت منيتيلزوم العصا تحنى عليها الأصابع
قال : وليس الوراء من الأضداد كما يقول بعض أهل اللغة. وسئل ثعلب : لم قيل : الوراء للأمام ؟ فقال : الوراء : اسم لما توارى عن عينك، سواء أكان أمامك أو خلفك. وقال الفراء : إنما يجوز هذا في المواقيت من الأيام والليالي والدهر، تقول : وراءك برد شديد، وبين يديك برد شديد. ولا يجوز أن تقول للرجل وهو بين يديك : هو وراءك، ولا للرجل : وراءك : هو بين يديك.
قوله تعالى :﴿وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ﴾ قال عكرمة، ومجاهد، واللغويون : الصديد : القيح والدم، قاله قتادة، وهو ما يخرج من بين جلد الكافر ولحمه. وقال القرظي : هو غسالة أهل النار، وذلك ما يسيل من فروج الزناة. وقال ابن قتيبة : المعنى : يسقى الصديد مكان الماء، قال : ويجوز أن يكون على التشبيه، أي : ما يسقي ماء كأنه صديد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى