معالم التنزيل — البغوي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وبرزوا لله جميعا﴾ أي : خرجوا من قبورهم إلى الله وظهروا جميعا ﴿فقال الضعفاء﴾، يعني : الأتباع، ﴿للذين استكبروا﴾، أي : تكبروا على الناس وهم القادة والرؤساء :﴿إنا كنا لكم تبعاً﴾ جمع تابع، مثل : حرس وحارس، ﴿فهل أنتم مغنون﴾، دافعون، ﴿عنا من عذاب الله من شيء﴾. ﴿قالوا﴾، يعني القادة المتبوعين :﴿لو هدانا الله لهديناكم﴾، أي : لو هدانا الله لدعوناكم إلى الهدى، فلما أضلنا دعوناكم إلى الضلالة، ﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص﴾، مهرب ولا منجاة. قال مقاتل : يقولون في النار : تعالوا نجزع، فيجزعون خمسمائة عام، فلا ينفعهم الجزع، ثم يقولون : تعالوا نصبر، فيصبرون خمسمائة عام فلا ينفعهم، فحينئذ يقولون :﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص﴾. قال محمد بن كعب القرظي : بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة. فقال الله تعالى :﴿وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب﴾ [ غافر-٤٩ ]، فردت الخزنة عليهم :﴿أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى﴾ [ غافر-٥٠ ] فردت الخزنة عليهم :﴿ادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ فلما يئسوا مما عند الخزنة نادوا ﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾ [ الزخرف-٧٧ ] سألوا الموت، فلا يجيبهم ثمانين سنة والسنة ستون وثلاثمائة يوما، واليوم كألف سنة مما تعدون، ثم لحظ إليهم بعد الثمانين ﴿إنكم ماكثون﴾، فلما أيسوا مما قبله، بعضهم لبعض : إنه قد نزل بكم من البلاء ما ترون فهلموا فلنصبر، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله فنفعهم، فأجمعوا على الصبر، فطال صبرهم ثم جزعوا فنادوا :﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص﴾، أي : من منجى. قال : فقام إبليس عند ذلك فخطبهم، وذلك فقال :﴿إن الله وعدكم وعد الحق﴾، الآية، فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم فنودوا :﴿لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون﴾ [ غافر-١٠ ] قال فنادوا الثانية :﴿فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون﴾، فرد عليهم :﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾ الآيات [ السجدة-١٢، ١٣ ] فنادوا الثالثة :﴿ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل﴾ [ إبراهيم -٤٤ ]، فرد عليهم :﴿أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال﴾ الآيات [ إبراهيم-٤٤ ]، ثم نادوا الرابعة :﴿ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل﴾ فرد عليهم :﴿أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير﴾، الآية [ فاطر-٣٧ ] قال : فمكث عليهم ما شاء الله، ثم ناداهم :﴿ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون﴾، فلما سمعوا ذلك قالوا : الآن يرحمنا، فقالوا عند ذلك :﴿ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين * ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾، قال عند ذلك :﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ [ المؤمنون ١٠٥-١٠٨ ] فانقطع عند ذلك الرجاء والدعاء عنهم، فأقبل بعضهم على بعض ينفخ بعضهم في وجوه بعض، وأطبقت عليهم النار.