غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
سورة إبراهيم عليه السلام مكية غير آيتين نزلتا في بدر ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا﴾ الآيتان حروفها ثلاثة آلاف وأربعمائة وأربعة وثلاثون كلها ثمانمائة وخمسة وخمسون آياتها اثنتان وخمسون.
قوله :﴿ليضلوا﴾ من قرأ بضم الياء فاللام للغرض أو للعاقبة، ومن قرأ بفتحها فاللام للعاقبة لأن العاقل لا يريد ضلال نسه ولكنه قد يريد إضلال الغير لمصلحة دنيوية. وإنما حسن استعمال اللام لأجل العاقبة من حيث إنها تشبه الغاية والغرض من قبل حصولها في آخر المراتب والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز. ﴿قل تمتعوا﴾ أمر وعيد وتهديد. قال جار الله : فيه إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر مأمورون به قد أمرهم آمر مطاع هو آمر الشهوة. والمعنى إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة ﴿فإن مصيركم إلى النار﴾ وإنما سمى عيش الكفار تمتعاً لأن إمهالهم في الدنيا على أيّ وجه يفرض يكون أسهل مما أعد لهم في الآخرة من العقاب. ومن الذين نزل فيهم ؟ روي عن عمر أنه قال : هم الأفجران من قريش : بنو المغيرة وبنو أمية. فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين. وقيل : هم متنصرة العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه. ولما أمر الكافرين بالتمتع بنعيم الدنيا تهديداً أمر نبيه ﷺ بحث المؤمنين على خلاف ذلك وهو الإقبال على ما ينفعهم في الآخرة فقال :﴿قل لعبادي الذين﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿وبرزوا﴾ من القشور الفانية ﴿لله جميعاً﴾ من القويّ والضعيف ﴿فقال الضعفاء﴾ وهم المقلدة ﴿للذين استكبروا﴾ من المبتدعين ﴿إني كفرت بما أشكرتموني﴾ آمن اللعين حين لا ينفع نفساً إيمانها ﴿وأدخل﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوماً جهولاً سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله وعنايته ﴿جنات﴾ القلوب ﴿تجري من تحتها﴾ أنهار الحكمة ﴿خالدين فيها بإذن ربهم﴾ أي بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم. تحية أهل القلوب على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم
﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾
[الفرقان: ٦٣] ﴿ألم تر﴾ أي ألم تشاهد بنور النبوّة ﴿كيف ضرب الله مثلاً﴾ للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته ﴿كلمة طيبة﴾ هي كلمة التوحيد ﴿كشجرة طيبة﴾ عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم ﴿أصلها ثابت﴾ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها ﴿وفرعها﴾ في سماء القلوب ﴿تؤتي أكلها﴾ من أنوار المشاهدات والمكاشفات ﴿كل حين﴾ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب تعالى إليه ﴿ويضرب الله الأمثال للناس﴾ لمن نسي العهد الأوّل ﴿لعلهم يتذكرون﴾ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها ﴿ومثل كلمة﴾ تتولد من خباثة النفس ﴿اجتثت من فوق﴾ أرض البشرية ﴿ما لها من قرار﴾ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات. ﴿يثبت الله الذين آمنوا﴾ يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها ﴿في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً. ﴿وأحلوا قومهم﴾ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة ﴿الله الذي خلق﴾ سموات القلوب وأرض النفوس ﴿وأنزل من﴾ سماء القلوب ﴿ماء﴾ الحكمة ﴿فأخرج به﴾ ثمرات الطاعات ﴿رزقاً﴾ لأرواحكم ﴿وسخر لكم﴾ فلك الشريعة ﴿لتجري في﴾ بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع. وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ﴿وسخر لكم﴾ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية. ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية ﴿وآتاكم من كل ما سألتموه﴾ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال :﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ لأن مخلوقاته غير منحصرة وكلها مخلوق لاستكماله ﴿إن الإنسان لظلوم﴾ بإفساد استعداده ﴿كفار﴾ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى