الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ﴾ فيه أوجهٌ، أحدُها : أنَّ " يُقيموا " مجزومٌ بلامِ أمرٍ محذوفةٍ تقديرُه : ليقيموا، فحُذِفَتْ وبقي عملُها، كما يُحْذَفُ الجارُّ ويبقى عملُه، كقولِه :
محمدُ تَفْدِ نفسَك كلُ نفسٍإذا ما خِفْتَ مِنْ شيءٍ تَبالا
يريد : لِتَفْدِ. أنشده سيبويه، إلا أنَّه خَصَّه بالشعر. قال الزمخشري :" ويجوزُ أن يكونَ " يُقيموا " و " يُنْفِقوا " بمعنى : لِيُقيموا ولِيُنْفقوا، ويكون هذا هو المَقُولَ. قالوا : وإنما جاز حَذْفُ اللامِ لأنَّ الأمرَ الذي هو " قُلْ " عِوَضٌ منها، ولو قيل : يقيموا الصلاة ويُنفقوا ابتداءً بحذف اللام لم يَجُزْ ". قلت : وإلى قريبٍ من هذا نحا ابن مالك فإنه جَعَلَ حَذْفَ هذه اللامِ على أضربٍ : قليلٍ وكثيرٍ ومتوسطٍ. فالكثيرُ : أن يكونَ قبلَه قولٌ بصيغة الأمر كالآيةِ الكريمةِ، والقليلُ : أن لا يتقدَّمَ قولٌ كقوله :" محمدُ تَفْدِ " البيت، والمتوسط : أن يتقدَّمَ بغيرِ صيغةِ الأمرِ كقوله :
قُلْتُ لبَوَّابٍ لديهِ دارُهاتِيْذَنْ فإني حَمْؤُها وجارُها
الثاني : أنَّ " يُقيموا " مجزوم على جوابِ " قُلْ "، وإليه نحا الأخفش والمبرد. وقد رَدَّ الناسُ عليهما هذا بأنه لا يلزمُ مِنْ قوله لهم : أقيموا " أَنْ يَفْعلوا، وكم مَنْ تخلَّف عن هذا الأمر. وقد أجيب عن هذا : بأنَّ المرادَ بالعباد المؤمنون، ولذلك أضافهم إليه تشريفاً، والمؤمنون متى أَمَرَهم امْتَثَلُوا.
الثالث : أنه مجزومٌ على جوابِ المقولِ المحذوفِ تقديره : قل لعبادي : أقيموا وأَنْفِقُوا، يُقيموا وينفقوا. قال أبو البقاء : وعزاه للمبرد- " كذا ذكره جماعة ولم يتعرَّضوا لإِفسادِه. وهو فاسد لوجهين، أحدُهما : أنَّ جوابَ الشرطِ يُخالِفُ الشرطَ : إمَّا في الفعلِ أو في الفاعل أو فيهما، فأمَّا إذا كان مثلَه في الفعلِ والفاعلِ فهو خطأٌ كقولِك : قم تقمْ، والتقديرُ على ما ذُكِرَ في هذا الوجه : إنْ يُقيموا يُقيموا. والوجه الثاني : أنَّ الأمرَ المقدَّرَ للمواجهة، و " يُقيموا " على لفظ الغَيْبَةِ وهو خطأٌ، إذا كان الفاعل واحداً ". قلت : أمَّا الإِفسادُ الأولُ فقريبٌ، وأمَّا الثاني فليس بشيء ؛ لأنه يجوز أن يقول : قل لعبدي أَطِعْني يُطِعْك، وإن كان للغَيْبة بعد المواجهة باعتبارِ حكايةِ الحال.
الرابع : أنَّ التقديرَ : إن تَقُلْ لهم : أقيموا، يُقيموا، وهذا مَرْوِيٌّ عن سيبويه فيما حكاه ابن عطية. قلت : وهذا هو القولُ الثاني.
الخامس : قال ابن عطية :" ويحتمل أن يكونَ " يُقيموا " جوابَ الأمرِ الذي يعطينا معناه قولُه " قُلْ " ؛ وذلك أن تجعلَ قولَه " قُلْ " في هذه الآيةِ بمعن بَلّغْ وأَدِّ الشريعةَ يُقيموا ".
السادس : قال الفراء :" الأمرُ معه شرطٌ مقدَّرٌ تقول :" أَطِعِ اللهَ يُدْخِلْكَ الجنَّةَ ".
والفرقُ بين هذا وبين ما قبله : أنَّ ما قبله ضُمِّن فيه الأمرُ نفسُه معنى الشرط، وفي هذا قُدر فعلُ الشرطِ بعد فعلِ الأمرِ مِنْ غيرِ تضمينٍ.
السابع : قال الفارسيُّ :" إنَّه مضارعٌ صُرِف عن الأمرِ إلى الخبرِ ومعناه : أقيموا ". وهذا مردودٌ ؛ لأنه كان ينبغي أن يُثْبِتَ نونَه الدالَّةَ على إعرابه. وأُجيبَ عن هذا بأنه بُني لوقوعِه موقعَ المبني، كما بُني المنادى في نحو :" يا زيدُ " لوقوعِه موقعَ الضمير، ولو قيل بأنه حُذِفَتْ نونُه تخفيفاً على حَدِّ حَذْفها في قولِه :" لا تَدْخُلوا الجنَّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا ".
وفي معمول " قُلْ " ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها : الأمرُ المقدَّرُ، أي : قُلْ لهم : أقيموا، يُقيموا، الثاني : أنه نفسُ " يُقيموا " على ما قاله ابنُ عطية الثالث : أنَّه الجملةُ من قولِه ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى آخره، قاله ابن عطية. وفيه تفكيكٌ للنَّظْم، وجَعْلُ الجملةِ " يُقيموا الصلاة " إلى آخره مُفلتاً ممَّا قبلَه وبعدَه، أو يكونُ جواباً فَصَل بين القولِ ومعمولِه، لكنه لا يترتَّبُ على قولِ ذلك إقامةُ الصلاةِ والإِنفاقُ، إلا بتأويلٍ بعيدٍ جداً.
قوله :" سِرَّاً وعلانِيَةً " في نصبِهِما ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُهما : أنهما حالان ممَّا تقدَّم، وفيهما ثلاثةُ التأويلاتِ في " زيد عَدْل "، أي : ذوي سر وعلانية أو مُسِرِّين ومُعْلِنين، أو جُعِلوا نفسَ السِّرِّ والعَلانية مبالغةً. الثاني : أنهما منصوبان على الظرف، أي : وَقْتَيْ سِرٍّ وعلانية. الثالث : أنهما/ منصوبان على المصدرِ، أي إنفاق سرّ وإنفاق علانية.
قوله :" مِنْ قبل " متعلِّقٌ ب " يُقيموا " و " يُنْفِقوا "، أي : يفعلون ذلك قبل هذا اليوم.
وقد تقدَّم خلاف القراء في ﴿لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ﴾. والخِلال : المُخالَّة وهي المصاحبةُ. يقال : خالَلْتُه خِلالاً ومُخَالَّةً. قال طرفة :
كلُّ خليلٍ كنتُ خالَلْتُهلا تَرَكَ اللهُ له واضِحَهْ
وقال امرؤ القيس :
صَرَفْتُ الهَوَى عنهنَّ مِنْ خشيةِ الرَّدىولستُ بمَقْلِيِّ الخِلالِ ولا قالِ
وقال الأخفش :" خِلال جمعاً لخُلَّة، نحو : بُرْمَة وبِرام ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى