اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
لما هدد الكفار، وأوعدهم بالتَّمتُّع بنعيم الدنيا أمر المؤمنين بترك التمتع في الدنيا، والمبالغة في الجهاد بالنفس والمال.
وفي " يُقِيمُوا " أوجه :
أحدها : أنه مجزومٌ بلام محذوفة، تقديره : ليقيموا، فحذفت وبقي عملها، كما يحذف الجار ويبقى عمله، كقوله :[ الوافر ]
مُحَمَّدُ تَفْدِ نفْسكَ كُلُّ نَفْسٍإذَا مَا خِفْتَ من شَيءٍ تَبَالا(١)
يريد : لتفدِ.
وأنشده سيبويه(٢) إلا أنَّه خصه بالشعرِ.
قال الزمخشري(٣) :" ويجوز أن يكون :" يُقِيمُوا "، و " يُنْفِقُوا " بمعنى : ليقيموا ولينفقوا، وليكون هذا هو المقولُ، قالوا : وإنَّما جَازَ حذف اللاَّم ؛ لأنَّ الأمر الذي هو " قُلْ " عوض منها، ولو قيل : يقيموا الصلاة، وينفقوا بحذف اللاَّم لم يجز ".
ونحا ابنُ مالكٍ رحمه الله إلى قريب من هذا، فإنَّه جعل حذف هذه اللاَّم على أضربٍ : قليل، وكثير ومتوسط. فالكثير : أن يكون قبله قول بصيغة الأمر، كالآية الكريمة.
والقليل : ألا يتقدم قول ؛ كقوله :[ الوافر ]
مُحَمَّدُ تَفْدِ. . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٤)
والمتوسطُ : أن يتقدَّم بغير صيغة الأمر، كقوله :[ الرجز ]
قُلْتُ لبَوَّابٍ لَديْهِ دَرُهَاتِيذَنْ فإنِّي حَمؤُهَا وجَارُهَا(٥)
الثاني : أن " يُقِيمُوا " مجزوم على جواب :" قُلْ "، وإليه نحا الأخفش والمبرد.
وقد رد النَّاس عليهما هذا ؛ بأنه لا يلزمُ من قوله لهم : أقيموا أن يفعلوا ذم من تخلف عن هذا الأمر.
وقد أجيب عن هذا : بأنَّ المراد بالبعادِ المؤمنون، ولذلك أضافهم إليه تشريفاً والمؤمنون متى أمروا ؛ امتثلوا.
الثالث : أنه مجزومٌ على جواب المقولِ المحذوفِ، تقديره : قل لعبادي أقيموا وأنفقوا، أي : يقيموا وينفقوا، قاله أبو البقاء -رحمه الله- وعزاه للمبرّد، كذا ذكره جماعةٌ ولم يتعرّضوا لإفساده، وهو فاسدٌ من وجهين :
أحدهما : أن جواب الشَّرط يخالف الشَّرط إما في الفعل، وإما في الفاعل، أو فيهما وأمَّا إذا كان مثله في الفعل والفاعل، فهو خطأ، كقولك : قُمْ يَقُمْ، والتقدير على ما ذكره في وهذا الوجه : أن يُقِيمُوا يُقِيمُوا.
والوجه الثاني : أنَّ الأمر المقدر للمواجهة، و " يُقِيمُوا " على لفظ الغيبة، وهو خطأ إذا كان الفاعل واحداً.
قال شهاب الدين(٦) :" أمَّا الإفساد الأوَّل فقريب، وأمَّا الثاني، فليس بشيء لأنَّه يجوز أن يقول : قل لعبدي أطعني يطعك، وإن كان للغيبة بعد الموجهة باعتبار حكاية الحال ".
الرابع : أن التقدير : أن يقول لهم : أقيموا يقيموا، وهذا مروي عن سيبويه فيما حكاه ابن عطية، وهذا هو القول الثاني.
الخامس : قال ابن عطية :" يحتمل أن يكون " يُقِيمُوا " جواب الأمر الذي يعطينا معناه قوله " قُلْ " وذلك أن تجعل " قُلْ " في هذه الآية بمعنى بَلَّغ وَأدِّ الشَّريعة يقيموا الصَّلاة ".
السادس : قال الفراء(٧) : الأمر معه شرط مقدر، تقولُ : أطِعِ الله يُدخِلْكَ الجنَّة والفرق بين هذا، وبين ما قبله : أنَّ ما قبله ضمن فيه الأمر نفسه معنى الشَّرط، وفي هذا قدر فعل الشرط بعد فعل الأمر من غير تضمينٍ.
السابع : قال الفارسي إنَّه مضارع صرف عن الأمر إلى الخبر، ومعناه : أقيموا.
وهذا مردودٌ ؛ لأنه كان ينبغي أن تثبت نونه الدالةٌ على إعرابه.
وأجيب عن هذا : بأنه بني لوقوعه موقع المبني، كما بني المنادى في نحو : يَا زَيْدُ لوقوعه موضع الضمير.
ولو قيل : بأنَّه حذفت نونه تخفيفاً على حد حذفها في قوله :" لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا " (٨).
وفي معمول " قُلْ " ثلاثة أوجه :
الأول : الأمر المقدر، أي : قل لهم أقيما يقيموا.
الثاني : أنه نفس " يُقِيمُوا " على ما قاله ابن عطية.
الثالث : أنَّه الجملة من قوله :﴿الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾ إلى آخره، قاله ابن عطية.
وفيه تفكيك النَّظم، وجعل الجملة :﴿يُقِيمُواْ الصلاة﴾ إلى آخرها مفلتاً مما قبله وبعده، أو يكون جواباً فصل به بين القولين، ومعموله، لكنه لا يترتب على قوله ذلك : إقامة الصلاة، والإنفاق إلا بتأويل بعيد جدًّا.
وقرأ حمزة والكسائي :" لِعبَادِيْ " بسكون الياء، والباقون(٩) بفتح الياءِ لالتقاءِ الساكنين.
قوله :﴿سِرّاً وَعَلانِيَةً﴾ في نصبهما ثلاثة أوجه :
أحدها : أنَّهما حالان مما تقدم، وفيهما الثلاث التأويلات في : زيْدٌ عدْلٌ، أي : ذَوِي سرٍّ، وعلانيةٍ، أو مُسرِّينَ مُعلِنينَ، أو جعلوا نفس السر والعلانية مبالغة.
الثاني : أنهما منصوبان على الظرف، أي : وقتي سر وعلانية.
الثالث : أنهما منصوبان على المصدر، أي : إنفاق سرِّ، وإنفاق علانية.
قوله :﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ متعلق ب :" يُقِيمُوا " و " يُنْفِقُوا " أي : يفعلون ذلك قبل هذا اليوم.
وقد تقدَّم خلاف القراء في :" لا بيعٌ فيه ولا خلالٌ ".
والخِلال المُخالة، وهي المُصاحبة، يقال : خاللته خِلالاً، ومخالَّة ؛ قال طرفة :[ السريع ]
كُلُّ خَليلٍ كُنْتُ خَالَلْتُهُلا تَراكَ اللهُ لَهُ وَاضِحَه(١٠)
وقال امرؤ القيس :[ الطويل ]
صَرْتُ الهَوَى عَنْهُنَّ مِنْ خَشْيةِ الرَّدَىوَلسْتُ بِمقْليِّ الخِلالِ ولا قَالِ(١١)
وقال الأخفش(١٢) : خِلال جمع ل " خلة "، نحو " بُرمَة وبِرَام ".

فصل


قال مقاتلٌ : يوم لا بيع فيه، ولا شراء، ولا مخالفة، ولا قرابة. وقد تقدَّم الكلام على نحو هذه الآية في البقرة [ البقرة ٢٥٤ ].
فإن قيل : كيف نفى الخلة هاهنا وأثبتها في قوله :﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧] ؟.
فالجواب : أن الآية الدَّالة على نفي المخالة محمولة على نفي المُخَاللَة بسبب ميل الطبع، ورغبة النفس، والآية الدَّالة على حصول المُخَاللَة، محمولة على الخُلَّة الحاصلة بسبب عبودية الله -تعالى- ومحبَّتهِ.
١ تقدم..
٢ ينظر: الكتاب ١/٤٠٨..
٣ ينظر: الكشاف ٢/٥٥٦..
٤ تقدم..
٥ البيت لمنظور بن مرثد الأسدي.
ينظر: الخزانة ٩/١٣، المغني ١/٢٢٥، الهمع ٢/٥٦، الدرر ٢/٧١، الأشموني ٤/٤، روح المعاني ١٣/٢٢١، شواهد المغني للبغدادي ٤/٣٤٠، الجني الداني /١١٤، العيني ٤/٤٤٤، العقد الفريد ٣/٤٦٠، الصحاح (حمى)، الدر المصون ٤/٢٦٩. .

٦ ينظر: الدر المصون ٤/٢٧٠..
٧ ينظر: معاني القرآن للفراء ٢/٧٧..
٨ تقدم تخريجه..
٩ ينظر: الإتحاف ٢/١٦٩..
١٠ ينظر: الديوان /١٥، التهذيب ٥/١٥٧، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٤/١١٤، اللسان (وضح)، الدر المصون ٤/٢٧١..
١١ ينظر: شرح ديوان الحماسة ٣/١٣٢١، البحر المحيط ٥/٤١٥، القرطبي٩/٣٦٦، اللسان (خلل)، إعراب القرآن للنحاس ٢/٣٧٠، الطبري ١٣/١٤٩، الدر المصون ٤/٣٧٦..
١٢ ينظر: معاني القرآن للأخفش ٢/٣٧٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى