فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمَ﴾ متعلق بمحذوف، أي : اذكر وقت قوله، ولعل المراد بسياق ما قاله إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع بيان كفر قريش بالنعم الخاصة بهم، وهي إسكانهم مكة بعد ما بين كفرهم بالنعم العامة. وقيل : إن ذكر قصة إبراهيم ها هنا لمثال الكلمة الطيبة. وقيل : لقصد الدعاء إلى التوحيد، وإنكار عبادة الأصنام ﴿رَبّ اجعل هذا البلد آمِنًا﴾ المراد بالبلد هنا : مكة. دعا إبراهيم ربه أن يجعله آمنا، أي : ذا أمن، وقدّم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده، لأنه إذا انتفى الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا. وقد تقدّم تفسير مثل هذه الآية في البقرة عند قوله تعالى :﴿رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] والفرق بين ما هنا وما هنالك أن المطلوب هنا مجرد الأمن للبلد، والمطلوب هنالك البلدية والأمن ﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾، يقال : جنبته كذا، وأجنبته وجنبته، أي : باعدته عنه، والمعنى : باعدني، وباعد بنيّ عن عبادة الأصنام، قيل : أراد بنيه من صلبه وكانوا ثمانية، وقيل : أراد من كان موجوداً حال دعوته من بنيه وبني بنيه. وقيل : أراد جميع ذريته ما تناسلوا، ويؤيد ذلك ما قيل من أنه لم يعبد أحد من أولاد إبراهيم صنماً، والصنم هو التمثال الذي كانت تصنعه أهل الجاهلية من الأحجار ونحوها فيعبدونه. وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر :﴿وأجنبني﴾ بقطع الهمزة على أن أصله أجنب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله :﴿وَإِذْ قَالَ إبراهيم﴾ الآية قال : فاستجاب الله لإبراهيم دعوته في ولده، فلم يعبد أحد من ولده صنماً بعد دعوته. واستجاب الله له، وجعل هذا البلد آمناً، ورزق أهله من الثمرات، وجعله إماماً، وجعل من ذريته من يقيم الصلاة، وتقبل دعاءه فأراه مناسكه وتاب عليه. وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن عقيل بن أبي طالب :( أن النبيّ ﷺ لما أتاه الستة النفر من الأنصار جلس إليهم عند جمرة العقبة، فدعاهم إلى الله وإلى عبادته والمؤازرة على دينه، فسألوه أن يعرض عليهم ما أوحي إليه، فقرأ من سورة إبراهيم :﴿وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبّ اجعل هذا البلد آمِنًا واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾ إلى آخر السورة، فرّق القوم وأخبتوا حين سمعوا منه ما سمعوا وأجابوه. وأخرج الواقدي، وابن عساكر من طريق عامر بن سعد عن أبيه قال : كانت سارّة تحت إبراهيم، فمكثت تحته دهراً لا ترزق منه ولداً، فلما رأت ذلك وهبت له هاجر أمة لها قبطية، فولدت له إسماعيل، فغارت من ذلك سارة ووجدت في نفسها، وعتبت على هاجر، فحلفت أن تقطع منها ثلاثة أطراف، فقال لها إبراهيم : هل لك أن تبرّي يمينك ؟ قالت : كيف أصنع ؟ قال : اثقبي أذنيها واخفضيها، والخفض : هو الختان، ففعلت ذلك بها فوضعت هاجر في أذنيها قرطين فازدادت بهما حسناً، فقالت سارّة : أراني إنما زدتها جمالاً، فلم تقارّه على كونه معها ووجد بها إبراهيم وجداً شديداً، فنقلها إلى مكة فكان يزورها في كل يوم من الشام على البراق من شغفه بها وقلة صبره عنها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله :﴿إِنَّي أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِي﴾ قال : أسكن إسماعيل وأمه مكة. وأخرج ابن المنذر عنه قال : إن إبراهيم حين قال :﴿فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ لو قال : أفئدة الناس تهوي إليهم لازدحمت عليه فارس والروم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحكم قال : سألت عكرمة وطاوساً وعطاء بن أبي رباح عن هذه الآية :﴿فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ﴾ فقالوا : البيت تهوي إليه قلوبهم يأتونه. وفي لفظ قالوا : هواهم إلى مكة أن يحجوا. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله :﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ قال : تنزع إليهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن محمد بن مسلم الطائفي : أن إبراهيم لما دعا للحرم ﴿وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات﴾ نقل الله الطائف من فلسطين. وأخرج ابن أبي حاتم عن الزهري قال :( إن الله نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف لدعوة إبراهيم ). وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في شعب الإيمان، قال السيوطي : بسندٍ حسن، عن ابن عباس قالوا : لو كان إبراهيم عليه السلام قال : فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم لحجّ اليهود والنصارى والناس كلهم، ولكنه قال أفئدة من الناس فخصّ به المؤمنين. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ قال : من الحزن. وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي في قوله :﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي﴾ قال : من حبّ إسماعيل وأمه ﴿وَمَا نُعْلِنُ﴾ قال : ما نظهر لسارّة من الجفاء لهما. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر إسماعيل وإسحاق﴾ قال : هذا بعد ذلك بحين. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال : بشر إبراهيم بعد سبع عشرة سنة ومائة سنة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى