الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ : يجوزُ أَنْ يكون المفعولُ محذوفاً، وهذا الجارُّ صفتُه، أي : أسكنْتُ ذريةً مِنْ ذريتي. ويجوز أن تكونَ " مِنْ " مزيدةً عند الأخفش.
قوله :" بوادٍ "، أي : في وادٍ، نحو : هو بمكة.
قوله :﴿عِندَ بَيْتِكَ﴾ يجوز أن يكونَ صفةً ل " وادٍ ". وقال أبو البقاء :" ويجوز أن يكونَ بدلاً منه "، يعني أنه يكونُ بدلَ بعضٍ مِنْ كُلّ، لأنَّ الواديَ أعمُّ مِنْ حضرةِ البيت. وفيه نظرٌ، من حيث إنَّ " عند " لا تتصرَّف.
قوله :" ليُقِيموا " يجوز أَنْ تكونَ هذه اللامُ لامَ أمرٍ، وأن تكونَ لامَ علَّة. وفي متعلقها حينئذٍ وجهان، أحدُهما : أنها متعلقةٌ بأَسْكنْتُ وهو ظاهرٌ، ويكون النداءُ معترضاً. الثاني : أنها متعلقةٌ باجْنُبْني، أي : اجْنُبْهم الأصْنامَ ليُقِيموا، وفيه بُعْدٌ.
قوله :﴿أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ﴾ العامَّةُ على " أفْئِدة " جمع " فُؤاد " كغُراب وأَغْربة. وقرأ هشام عن ابن عامر بياءٍ بعد الهمزة، فقيل : إشباع، كقوله :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** يُحِبَّك عَظْمٌ في الترابِ تَرِيْبُ
أي : تَرِب، وكقوله :
أعوذُ باللهِ مِنَ العَقْرابِالشائلاتِ عُقدَ الأَذْنابِ
وقد طعن جماعةٌ على هذه القراءةِ وقالوا : الإِشباعُ من ضرائرِ الشعر فكيف يُجْعَلُ في أفصحِ كلامٍ ؟ وزعم بعضُهم أنَّ هشاماً إنَّما قرأ بتسهيلِ الهمزةِ بين بين، فظنَّها الراوي زيادةَ ياءٍ بعد الهمزة، قال :" كما تُوُهِّم عن أبي عمروٍ واختلاسُه في " بارئكم " و " يَأْمُركم " أنه سَكَّن ". وهذا ليس بشيءٍ فإنَّ الرواةَ أجلُّ من هذا.
وقرأ زيدٌ بن عليّ " إفادة " بزنةِ " رِفادة "، وفيها وجهان، أحدهما : أن يكونَ مصدراً لأِفاد كأَقام إقامةً، أي : ذوي إفادةٍ، وهم الناسُ الذين يُنْتَفَعُ بهم. والثاني : أن يكون أصلُها " وِفادة " فأُبْدِلَتِ الواوُ همزةً نحو : إشاح وإعاء.
وقرأت أمُّ الهيثم " أَفْوِدَة " بواوٍ مكسورة، وفيها وجهان، أحدُهما : أن يكونَ جمع " فُوَاد " المُسَهًّل : وذلك أنَّ الهمزةَ المفتوحةَ المضمومَ ما قبلها يَطَّرِد قَلْبُها واواً نحو : جُوَن، ففُعِل في " فُؤاد " المفرد ذلك، فأُقِرَّت في الجمع على حالها. والثاني : قال صاحب " اللوامح " :" هي جمعُ وَفْد ". قلت : فكان ينبغي أن يكونَ اللفظ " أَوْفِدة " بتقديم الواو، إلا أن يُقال : إنه جَمَعَ " وَفْداً " على " أَوْفِدَة " ثم قلَبه فوزنه أَعْفِلَة، كقولهم : آرام في أرْآم وبابِه، إلا أنه يَقِلُّ جمعُ فَعْل على أفْعِلة نحو : نَجْد وأَنْجدة، وَوَهْي وأَوْهِيَة. وأمُّ الهيثمِ امرأةٌ نُقِلَ عنها شيءٌ من اللغة.
وقُرِىء " آفِدَة " بزِنَةِ ضارِبة، وهي تحتمل وجهين، أحدُهما : أن تكونَ مقلوبةً مِنْ أَفئدة بتقديم الهمزة على الفاء فَقُلِبَتْ الهمزةُ ألفاً، فوزنها أَعْفِلة كآرام في أرْآم.
والثاني : أنها اسمُ فاعلٍ مِنْ أَفِد يَأْفَدُ، أي : قَرُب ودَنا، والمعنى : جماعة آفِدَة، أو جماعات آفِدة.
وقُرِئ " آفِدَة " بالقَصْرِ، وفيها وجهان أيضاً، أحدُهما : أن يكونَ اسمَ فاعلٍ على فَعِل كفَرِحَ فهو فَرِح. [ والثاني ] : أن تكونَ محففةً من " أَفْئِدة ". بنَقْلِ حركةِ الهمزةِ إلى الساكن قبلها، وحَذْفِ الهمزةِ.
و " من الناس " في " مِنْ " وجهان، أحدُهما : أنها لابتداءِ الغاية. قال الزمخشريُّ :" ويجوز أن تكونَ " مِنْ " لابتداءِ الغايةِ كقولك :" القلبُ مني سقيم " تريد : قلبي، كأنه قيل : أفئدةَ ناسٍ، وإنما نَكَّرْتَ المضافَ في هذا التمثيلِ لتنكيرِ " أَفْئدة " لأنها في الآية نكرةٌ، ليتناولَ بعضَ الأفئدةِ ". قال الشيخ :" ولا يَظْهر كونُها للغايةِ ؛ لأنه ليس لنا فِعْلٌ يُبتدأ فيه بغايةٍ ينتهي إليها، إذ/ لا يَصِحُّ جَعْلُ ابتداءِ الأفئدة من الناس ".
والثاني : أنها للتبعيضِ، وفي التفسير : لو لم يقل " من الناس " لحجَّ الناسُ كلُّهم.
قوله :" تَهْوي " هذا هو المفعولُ الثاني للجَعْل. والعامَّة " تَهْوِي " بكسرِ العين بمعنى : تُسْرِعُ وتَطيرُ شوقاً إليهم. قال :
وإذا رَمَيْتَ به الفِجاجَ رَأَيْتَهيَهْوي مخارمَها هُوِيَّ الأجْدَلِ
وأصلُه أنْ يتعدَّى باللام، كقوله :
حتى إذا ما هَوَتْ كفُّ الغلامِ لهاطارَتْ وفي كَفِّه مِنْ ريشِها بِتَكُ
وإنَّما عُدِّي ب " إلى " لأنه ضُمِّنَ معنى " تميل "، كقوله :
تَهْوي إلى مكَّةَ تَبْغي الهدىما مُؤْمِنُ الجِنِّ كأَنْجاسِها
وقرأ أميرُ المؤمنين علي وزيد بن علي ومحمد بن علي وجعفر ابن محمد ومجاهد بفتح الواو، وفيه قولان، أحدُهما : أنَّ " إلى " زائدةٌ، أي : تهواهم. والثاني : أنه ضُمِّنَ معنى تَنْزِعُ وتميل، ومصدرُ الأول على " هُوِيّ "، كقوله :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** يَهْوي مخارِمَها هُوِيَّ الأجْدَل
والثاني على " هَوَى ". وقال أبو البقاء :" معناهما متقاربان إلاَّ أَنَّ هَوَى - يعني بفتح الواو- متعدٍّ بنفسه، وإنما عُدِّيَ بإلى حَمْلاً على تميل ".
وقرأ مسلمة بن عبد الله :" تُهْوَى " بضم التاء وفتح الواو مبنياً للمفعول مِنْ " أهوى " المنقول مِنْ " هَوِيَ " اللازمِ، أي : يُسْرَع بها إلى إليهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى