محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٣٧ من سورة إبراهيم في ١١١ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٣ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٣٧ من سورة إبراهيم

١١١ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿رّبّنَآ إِنّيَ أَسْكَنتُ مِن ذُرّيّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرّمِ رَبّنَا لِيُقِيمُواْ الصّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ النّاسِ تَهْوِيَ إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مّنَ الثّمَرَاتِ لَعَلّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.
وقال إبراهيم خليل الرحمن هذا القول حين أسكن إسماعيل وأمه هاجَرَ فيما ذُكِر مكة. كما :
حدثني يعقوب بن إبراهيم والحسن بن محمد قالا : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، كما قال : نبئت عن سعيد بن جبير، أنه حدث عن ابن عباس، قال : إنّ أوّل من سَعى بين الصّفا والمروة لأمّ إسماعيل وإن أوّل ما أحدث نساء العرب جرّ الذيول لمن أمّ إسماعيل. قال : لما فرّت من سارة، أَرْخَتْ من ذيلها لتعفي أثرها، فجاء بها إبراهيم ومعها إسماعيل حتى انتهى بهما إلى موضع البيت، فوضعهما ثم رجع، فاتبعته، فقالت : إلى أيّ شيء تكلنا ؟ إلى طعام تكلنا ؟ إلى شراب تكلنا ؟ فجعل لا يردّ عليها شيئا، فقالت : آلله أمرك بهذا ؟ قال نعم، قالت : إذن لا يضيعنا. قال : فرجعت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كَدَاء، أقبل على الوادي فدعا، فقال : رَبّ إنّي أسْكَنْتُ منْ ذُريّتِي بَوادٍ غيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرّمِ رَبّنا لِيُقِيمُوا الصّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً منَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهمْ وَارْزُقْهُمْ منَ الثّمَرَاتِ لَعَلّهُمْ يَشْكُرُونَ قال : ومع الآنسانة شَنّة فيها ماء، فنفِد الماء فعطشت وانقطع لبنها، فعطش الصبيّ، فنظرت أيّ الجبال أدنى من الأرض، فصعِدَت بالصفا، فتسمعت هل تسمع صوتا أو ترى أنيسا فلم تسمع، فانحدرت، فلما أتت على الوادي سعت وما تريد السعي، كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد السعي، فنظرت أيّ الجبال أدنى من الأرض، فصَعِدت المروة فتسمعت هل تسمع صوتا، أو ترى أنيسا فسمعت صوتا، فقالت كالإنسان الذي يكذّب سمعه : صه حتى استيقنت، فقالت : قد أسمعتني صوتك فأغثني، فقد هلكتُ وهلك من معي فجاء المَلك فجاء بها حتى انتهى بها إلى موضع زمزم، فضرب بقدمه ففارت عينا، فعجلت الإنسانة فجعلت في شَنّتها، فقال رسول الله ﷺ :«رَحِمَ اللّهُ أُمّ إسْماعيلَ لَوْلا أنّها عَجِلَتْ لَكانَتْ زَمْزَمُ عَيْنا مَعِينا ». وقال لها الملك : لا تخافي الظمأ على أهل هذا البلد، فإنما هي عين لشرب ضِيفان الله. وقال : إن أبا هذا الغلام سيجيء، فيبنيان لله بيتا هذا موضعه. قال : ومرّت رفقة من جُرهم تريد الشام، فرأوا الطير على الجبل، فقالوا : إن هذا الطير لعائف على ماء، فهل علمتم بهذا الوادي من ماء ؟ فقالوا : لا. فأشرفوا فإذا هم بالإنسانة، فأتوها فطلبوا إليها أن ينزلوا معها، فأذنت لهم. قال : وأتى عليها ما يأتي على هؤلاء الناس من الموت، فماتت، وتزوّج إسماعيل امرأة منهم، فجاء إبراهيم فسأل عن منزل إسماعيل حتى دُلّ عليه، فلم يجده، ووجد امرأة له فظة غليظة، فقال لها : إذا جاء زوجك فقولي له : جاء ههنا شيخ من صفته كذا وكذا، وإنه يقول لك : إني لا أرضى لك عتَبَة بابك فحوّلها وانطلق فلما جاء إسماعيل أخبرته، فقال : ذاك أبي وأنت عتبة بابي، فطلقَها وتزوّج امرأة أخرى منهم. وجاء إبراهيم حتى انتهى إلى منزل إسماعيل، فلم يجده، ووجد امرأة له سهلة طليقة، فقال لها : أين انطلق زوجك ؟ فقالت : انطلق إلى الصيد، قال : فما طعامكم ؟ قالت : اللحم والماء، قال : اللهمّ بارك لهم في لحمهم ومائهم اللهمّ بارك لهم في لحمهم ومائهم ثلاثا. وقال لها : إذا جاء زوجك فأخبريه، قولي : جاء ههنا شيخ من صفته كذا وكذا، وإنه يقول لك : قد رضيت لك عتبة بابك، فأثْبِتْها فلما جاء إسماعيل أخبرته. قال : ثم جاء الثالثة، فرفعا القواعد من البيت.
حدثنا الحسن بن محمد، قال : ثني يحيى بن عباد، قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : جاء نبيّ الله إبراهيم بإسماعيل وهاجر، فوضعهما بمكة في موضع زمزم فلما مضى نادته هاجر : يا إبراهيم إنما أسألك ثلاث مرات : من أمرك أن تضعني بأرض ليس فيها ضَرْع ولا زرع ولا أنيس ولا زاد ولا ماء ؟ قال : ربي أمرني، قالت : فإنه لن يضيّعنا. قال : فلما قفا إبراهيم قال : رَبّنا إنّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ يعني من الحزن وَما يَخْفَى على اللّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السّماءِ. فلما ظمئ إسماعيل جعل يَدْحَض الأرض بعقبه، فذهبت هاجر حتى علت الصفا، والوادي يومئذٍ لاخ يعني عميق فصعدت الصفا، فأشرفت لتنظر هل ترى شيئا فلم تر شيئا، فانحدرت فبلغت الوادي، فسعت فيه حتى خرجت منه، فأتت المروة، فصعدت فاستشرفت هل تر شيئا، فلم تر شيئا. ففعلت ذلك سبع مرّات، ثم جاءت من المروة إلى إسماعيل، وهو يَدْحَض الأرض بقَعْبه، وقد نبعت العين وهي زمزم. فجعلت تفحص الأرض بيدها عن الماء، فكلما اجتمع ماء أخذته بقدحها، وأفرغته في سقائها. قال : فقال النبيّ ﷺ :«يَرْحَمُها اللّهُ لَوْ تَرَكَتْها لَكانَتْ عَيْنا سائِحَةً تَجْرِي إلى يَوْمِ القيامَةِ ». قال : وكانت جُرهُمُ يومئذٍ بواد قريب من مكة قال : ولزمت الطير الوادي حين رأت الماء فلما رأت جرهم الطير لزمت الوادي، قالوا : ما لزِمته إلاّ وفيه ماء، فجاءوا إلى هاجَر، فقالوا : إن شئت كنا معك وآنسناك والماء ماؤك، قالت : نعم. فكانوا معها حتى شبّ إسماعيل، وماتت هاجر فتزوّج إسماعيل امرأة منهم قال : فاستأذن إبراهيم سارة أن يأتي، هاجر، فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل، فقدم إبراهيم وقد ماتت هاجر، فذهب إلى بيت إسماعيل، فقال لامرأته : أين صاحبك ؟ قالت : ليس ههنا ذهب يتصيد، وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيتصيد ثم يرجع، فقال إبراهيم : هل عندك ضيافة، هل عندك طعام أو شراب ؟ قالت : ليس عندي، وما عندي أحد. فقال إبراهيم : إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له : فليغير عتبة بابه وذهب إبراهيم، وجاء إسماعيل، فوجد ريح أبيه، فقال لامرأته : هل جاءك أحد ؟ فقالت : جاءني شيخٌ كذا وكذا، كالمستخفة بشأنه، قال : فما قال لكِ ؟ قالت : قال لي : أقرئي زوجك السلام وقولي له : فليغير عتبة بابه، فطلقها وتزوّج أخرى. فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل، فأذنت له، وشرطت عليه أن لا ينزل، فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل، فقال لامرأته : أين صاحبك ؟ قالت : ذهب يصيد، وهو يجيء الاَن إن شاء الله، فانزل يرحمك الله قال لها : هل عندك ضيافة ؟ قالت : نعم، قال : هل عندك خبز أو برّ أو تمر أو شعير ؟ قالت : لا. فجاءت باللبن واللحم، فدعا لهما بالبركة، فلو جاءت يومئذٍ بخبز أو برّ أو شعير أو تمر لكانت أكثر أرض الله برّا وشعيرا وتمرا، فقالت له : انزل حتى أغسل رأسك فلم ينزل، فجاءته بالمقام فوضعته عن شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه، فبقي أثر قدمه عليه، فغسلت شقّ رأسه الأيمن، ثم حوّلت المقام إلى شقه الأيسر فغسلت شقه الأيسر، فقال لها : إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له : قد استقامت عتبة بابك فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه، فقال لامرأته : هل جاءك أحد ؟ فقالت : نعم، شيخ أحسن الناس وجها وأطيبه ريحا، فقال لي كذا وكذا، وقلت له كذا وكذا، وغسلتُ رأسه، وهذا موضع قدمه على المقام. قال : وما قال لك ؟ قالت : قال لي : إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له : قد استقامت عتبة بابك، قال : ذاك إبراهيم، فلبث ما شاء الله أن يلبث، وأمره الله ببناء البيت، فبناه هو وإسماعيل فلما بنياه قيل : أذّن في الناس بالحجّ فجعل لا يمرّ بقوم إلاّ قال : أيها الناس إنه قد بني لكم بيت فحجوه، فجعل لا يسمعه أحد، صخرة ولا شجرة ولا شيء، إلاّ قال : لبيك اللهمّ لبيك. قال : وكان بين قوله : رَبّنَا إنّي أسْكَنْتُ مِنْ ذُرّيّتِي بِوَادٍ غيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْد بَيْتِكَ المُحَرّمِ وبين قوله : الحَمْدُ لِلّهِ الّذِي وَهَبَ لي على الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ كذا وكذا عاما، لم يحفظ عطاء.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : رَبّنا إنّي أسْكَنْتُ مِنْ ذُرّيّتِي بوَادٍ غيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرّمِ وإنه بيت طهّره الله من السّوء، وجعله قبلة، وجعله حَرَمه، اختاره نبيّ الله إبراهيم لولده.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : غيرِ ذِي زَرْعٍ قال : مكة لم يكن بها زرع يومئذٍ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : أخبرني ابن كثير، قال القاسم في حديثه : قال : أخبرني عمرو بن كثير «قال أبو جعفر » : فغيرته أنا فجعلته : قال أخبرني ابن كثير، وأسقطت عمرا، لأني لا أعرف إنسانا يقال له عمرو بن كثير حدّث عنه ابن جريج، وقد حدّث به معمر عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، وأخشى أن يكون حديث ابن جريج أيضا عن كثير بن كثير، قال : كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان في أناس مع سعيد بن جبير ليلاً، فقال سعيد بن جبير للقوم : سلوني قبل ألاّ تسألوني فسأله القوم فأكثروا، وكان فيما سُئل عنه أن قيل له : أحقّ ما سمعنا في المقام ؟ فقال سعيد : ماذا سمعتم ؟ قالوا : سمعنا أن إبراهيم رسول الله حين جاء من الشام، كان حلف لامرأته أن لا ينزل مكة حتى يرجع، فقرب له المقام، فنزل عليه. فقال سعيد : ليس كذاك : حدثنا ابن عباس، ولكنه حدثنا حين كان بين أمّ إسماعيل وسارة ما كان أقبل بإسماعيل، ثم ذكر مثل حديث أيوب غير أنه زاد في حديثه، قال : قال أبو القاسم ﷺ :«وَلذلكَ طافَ النّاسُ بينَ الصّفا والمَرْوَةِ ». ثم حدث وقال : قال أبو القاسم ﷺ :«طَلَبُوا النّزُولَ مَعَها وَقَدْ أحَبّتْ أُمّ إسْماعيلَ الأنْسَ، فنَزَلُوا وَبَعَثُوا إلى أهْلِهمْ فَقَدِمُوا، وَطَعامُهُمُ الصّيْدُ، يَخْرُجُونَ منَ الحَرَمِ ويَخْرُجُ إِسْماعيلُ مَعَهُمْ يَتَصَيّدُ فَلَمّا بَلَغَ أنْكَحُوهُ، وَقَدْ تُوُفّيَتْ أُمّهُ قَبْلَ ذلكَ ». قالَ : وقال رسول الله ﷺ :«لَمّا دَعا لَهُما أنْ يُبارِكَ لَهُمْ فِي اللّحْمِ والماءِ، قال لَهَا : هَلْ منْ حَبّ أوْ غيرِهِ منَ الطّعامِ ؟ قالَتْ : لا، وَلَوْ وَجَدَ يَوْمَئذٍ لَهَا حَبّا لَدَعا لَهَا بالبَرَكَةِ فيهِ ». قال ابن عباس : ثم لبث ما شاء الله أن يلبث، ثم جاء فوجد إسماعيل قاعدا تحت دَوْحة إلى ناحية البئر يبرى نبلاً له، فسلم عليه ونزل إليه، فقعد معه وقال : يا إسماعيل، إن الله قد أمرني بأمر. قال إسماعيل : فأطع ربك فيما أمرك قال إبراهيم : أمرني أن أبني له بيتا. قال إسماعيل : ابنِ قال ابن عباس : فأشار له إبراهيم إلى أكمة بين يديه مرتفعة على ما حولها يأتيها السيل من نواحيها، ولا يركبها. قال : فقاما يحفران عن القواعد يرفعا
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
أضللن: يقول: أزلن كثيرا من الناس عن طريق الهُدى وسبيل الحق حتى عبدوهنّ، وكفروا بك.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ) يعني الأوثان.
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة (إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ) قال: الأصنام.
وقوله (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) يقول: فمن تبعني على ما أنا عليه من الإيمان بك وإخلاص العبادة لك وفراق عبادة الأوثان، فإنه مني: يقول: فإنه مستنّ بسنَّتِي، وعامل بمثل عملي (وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يقول: ومن خالف أمري فلم يقبل مني ما دعوته إليه، وأشرك بك، فإنه غفور لذنوب المذنبين الخَطائين بفضلك، ورحيم بعبادك تعفو عمن تشاء منهم.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) اسمعوا إلى قول خليل الله إبراهيم لا والله ما كانوا طَعَّانين ولا لعَّانين، وكان يقال: إنّ من أشرّ عباد الله كلّ طعان لعان، قال نبيّ الله ابن مريم عليه السلام (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
حدثني المثنى، قال: ثنا أصبغ بن الفرج، قال: أخبرني ابن وهب، قال: ثنا عمرو بن الحارث أن بكر بن سؤادة، حَدثه عن عبد الرحمن بن جُبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ تلا قول إبراهيم (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، وقال عيسى (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فرفع يديه ثم قال: اللَّهُمَّ أُمَّتِي، اللَّهُمَّ أُمَّتِي، وبكى، فقال اللَّه تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فاسأله ما يُبكيه؟ فأتاه جبرئيل فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ ما قال، قال: فقال الله: يا جبرئيل اذهب إلى محمد وقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءُك.

القول في تأويل قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ

غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) }
وقال إبراهيم خليل الرحمن هذا القول حين أسكن إسماعيل وأمه هاجَرَ -فيما ذُكِر- مكة.
كما حدثني يعقوب بن إبراهيم والحسن بن محمد قالا ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، قال: نبئت عن سعيد بن جبير، أنه حدث عن ابن عباس، قال: إنّ أوّل من سَعى بين الصَّفا والمروة لأمُّ إسماعيل، وإن أوّل ما أحدث نساء العرب جرّ الذيول لمن أمّ إسماعيل، قال: لما فرّت من سارة، أرخت من ذيلها لتعفي أثرها، فجاء بها إبراهيم ومعها إسماعيل حتى انتهى بهما إلى موضع البيت، فوضعهما ثم رجع، فاتبعته، فقالت: إلى أيِّ شيء تكلنا؟ إلى طعام تكلنا؟ إلى شراب تكلنا؟ فجعل لا يردّ عليها شيئا، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا. قال: فرجعت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كَدَاء، أقبل على الوادي فدعا، فقال (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) قال: ومع الإنسانة شَنَّة فيها ماء، فنفِد الماء فعطشت وانقطع لبنها، فعطش الصبيّ، فنظرت أيّ الجبال أدنى من الأرض، فصَعِدت بالصفا، فتسمعت هل تسمع صوتا أو ترى أنيسا؟ فلم تسمع، فانحدرت، فلما أتت على الوادي سعت وما تريد السعي، كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد السعي، فنظرت أيّ الجبال أدنى من الأرض، فصَعِدت المروة فتسمعت هل تسمع صوتا، أو ترى أنيسا، فسمعت صوتا، فقالت كالإنسان الذي يكذّب سمعه: صه، حتى استيقنت، فقالت: قد أسمعتني صوتك فأغثني، فقد هلكتُ وهلك من معي، فجاء المَلك فجاء بها حتى انتهى بها إلى موضع زمزم، فضرب بقدمه ففارت عينا، فعجلت الإنسانة فجعلت في شَنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رَحِمَ اللهُ أُمَّ إِسْماعيلَ لَوْلا أنَّها
عَجِلَتْ لَكانَتْ زَمْزَمُ عَيْنا مَعِينا (١) ". وقال لها الملك: لا تخافي الظمأ على أهل هذا البلد، فإنما هي عين لشرب ضِيفان الله، وقال: إن أبا هذا الغلام سيجيء، فيبنيان لله بيتا هذا موضعه، قال: ومرّت رفقة من جرهم تريد الشام، فرأوا الطير على الجبل، فقالوا: إن هذا الطير لعائف على ماء، فهل علمتم بهذا الوادي من ماء؟ فقالوا: لا فأشرفوا فإذا هم بالإنسانة، فأتوها فطلبوا إليها أن ينزلوا معها، فأذنت لهم، قال: وأتى عليها ما يأتي على هؤلاء الناس من الموت، فماتت، وتزوج إسماعيل امرأة منهم، فجاء إبراهيم فسأل عن منزل إسماعيل حتى دُل عليه، فلم يجده، ووجد امرأة له فظة غليظة، فقال لها: إذا جاء زوجك فقولي له: جاء هنا شيخ من صفته كذا وكذا، وإنه يقول لك: إني لا أرضى لك عَتَبة بابك فحوِّلها، وانطلق، فلما جاء إسماعيل أخبرته، فقال: ذلك أبي وأنت عتبة بأبي، فطلقها وتزوّج امرأة أخرى منهم، وجاء إبراهيم حتى انتهى إلى منزل إسماعيل، فلم يجده، ووجد امرأة له سهلة طليقة، فقال لها: أين انطلق زوجك؟ فقالت: انطلق إلى الصيد، قال: فما طعامكم؟ قالت: اللحم والماء، قال: اللهمّ بارك لهم في لحمهم ومائهم، اللهم بارك لهم في لحمهم ومائهم ثلاثا، وقال لها: إذا جاء زوجك فأخبريه، قولي: جاء هنا شيخ من صفته كذا وكذا، وإنه يقول لك: قد رضيت لك عتبة بابك، فأثبتها، فلما جاء إسماعيل أخبرته. قال: ثم جاء الثالثة، فرفعا القواعد من البيت.
حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا يحيى بن عباد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جاء نبيّ الله إبراهيم بإسماعيل وهاجر، فوضعهما بمكة في موضع زمزم، فلما مضى نادته هاجر: يا إبراهيم إنما أسألك ثلاث مرات: من أمرك أن تضعني بأرض ليس فيها ضَرْع ولا زرع، ولا أنيس، ولا زاد ولا ماء؟ قال: ربي أمرني، قالت: فإنه لن يضيِّعنا قال: فلما قفا إبراهيم قال (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ) يعني من الحزن (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا
(١) معينا: جارية سائحة على وجه الأرض.
فِي السَّمَاءِ). فلما ظمئ إسماعيل جعل يَدْحَض الأرض بعقبه، فذهبت هاجر حتى علت الصفا، والوادي يومئذ لاخ، يعني عميق، فصعدت الصفا، فأشرفت لتنظر هل ترى شيئا؟ فلم تر شيئا، فانحدرت فبلغت الوادي، فسعت فيه حتى خرجت منه، فأتت المروة، فصعدت فاستشرفت هل ترى شيئا، فلم تر شيئا. ففعلت ذلك سبع مرّات، ثم جاءت من المروة إلى إسماعيل، وهو يَدْحَض الأرض بعقبه، وقد نبعت العين وهي زمزم. فجعلت تفحص الأرض بيدها عن الماء، فكلما اجتمع ماء أخذته بقدحها، وأفرغته في سقائها. قال: فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: يَرْحَمُها اللهُ لَوْ تَرَكَتْها لَكانَتْ عَيْنا سائِحَةً تَجْرِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ". قال: وكانت جُرهُمُ يومئذ بواد قريب من مكة، قال: ولزمت الطير الوادي حين رأت الماء، فلما رأت جرهم الطير لزمت الوادي، قالوا: ما لزمته إلا وفيه ماء، فجاءوا إلى هاجرَ، فقالوا: إن شئت كنا معك وآنسناك والماء ماؤك، قالت: نعم. فكانوا معها حتى شبّ إسماعيل، وماتت هاجر فتزوّج إسماعيل امرأة منهم، قال: فاستأذن إبراهيم سارة أن يأتي، هاجر، فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل، فقدم إبراهيم وقد ماتت هاجر، فذهب إلى بيت إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ليس ههنا ذهب يتصيد، وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيتصيد ثم يرجع، فقال إبراهيم: هل عندك ضيافة، هل عندك طعام أو شراب؟ قالت: ليس عندي، وما عندي أحد. فقال إبراهيم: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له: فليغير عتبة بابه! وذهب إبراهيم، وجاء إسماعيل، فوجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ فقالت: جاءني شيخ كذا وكذا، كالمستخفة بشأنه، قال: فما قال لك؟ قالت: قال لي: أقرئي زوجك السلام وقولي له: فليغير عتبة بابه، فطلقها وتزوج أخرى. فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل، فأذنت له، وشرطت عليه أن لا ينزل، فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب يصيد، وهو يجيء الآن إن شاء الله، فأنزل يرحمك الله قال لها: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم، قال: هل عندك خبز أو بر أو تمر أو شعير؟ قالت: لا. فجاءت باللبن واللحم، فدعا لهما بالبركة، فلو جاءت يومئذ بخبز أو بر أو شعير أو تمر لكانت أكثر أرض الله برا وشعيرا وتمرا، فقالت له: أنزل حتى أغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءته بالمقام فوضعته عن شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه، فبقي أثر قدمه عليه، فغسلت شق رأسه الأيمن، ثم حوّلت المقام إلى شقه الأيسر فغسلت شقه الأيسر، فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له: قد استقامت عتبة بابك، فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ فقالت: نعم، شيخ أحسن الناس وجها وأطيبه ريحا، فقال لي كذا وكذا، وقلت له كذا وكذا، وغسلتُ رأسه، وهذا موضع قدمه على المقام. قال: وما قال لك؟ قالت: قال لي: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له: قد استقامت عتبة بابك، قال: ذاك إبراهيم، فلبث ما شاء الله أن يلبث، وأمره الله ببناء البيت، فبناه هو وإسماعيل، فلما بنياه قيل: أذن في الناس بالحجّ، فجعل لا يمرّ بقوم إلا قال: أيها الناس إنه قد بني لكم بيت فحجوه، فجعل لا يسمعه أحد، صخرة ولا شجرة ولا شيء، إلا قال: لبيك اللهم لبيك. قال: وكان بين قوله (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) وبين قوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) كذا وكذا عاما، لم يحفظ عطاء.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) وإنه بيت طهَّره الله من السُّوء، وجعله قبلة، وجعله حَرَمه، اختاره نبيّ الله إبراهيم لولده.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة (غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) قال: مكة لم يكن بها زرع يومئذ.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن كثير، قال القاسم في حديثه: قال: أخبرني عمرو بن كثير "قال أبو جعفر": فغيرته أنا فجعلته: قال أخبرني ابن كثير، وأسقطت عمرا، لأني لا أعرف إنسانًا يقال له عمرو بن كثير حدّث عنه ابن جريج، وقد حدَّث به معمر عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، وأخشى أن يكون حديث
ابن جريج أيضا عن كثير بن كثير، قال: كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان في أناس مع سعيد بن جبير ليلا فقال سعيد بن جبير للقوم: سلوني قبل ألا تسألوني، فسأله القوم فأكثروا، وكان فيما سُئل عنه أن قيل له: أحقّ ما سمعنا في المقام، فقال سعيد: ماذا سمعتم؟ قالوا: سمعنا أن إبراهيم رسول الله حين جاء من الشام، كان حلف لامرأته أن لا ينزل مكة حتى يرجع، فقرب له المقام، فنزل عليه، فقال سعيد: ليس كذاك: حدثنا ابن عباس، ولكنه حدثنا حين كان بين أم إسماعيل وسارة ما كان أقبل بإسماعيل، ثم ذكر مثل حديث أيوب غير أنه زاد في حديثه، قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: طَلَبُوا النزولَ مَعَهَا وَقَدْ أَحَبَّتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ الأنْسَ، فَنزلُوا وبَعَثَوُا إلى أَهْلِهِمْ فَقَدِمُوا، وَطَعَامُهُمُ الصَّيْدُ، يَخْرُجُونَ مِنَ الحَرَمِ وَيخْرُجُ إِسْمَاعِيلُ مَعَهُمْ يَتَصَيَّدُ، فَلَمَّا بَلَغَ أَنْكَحُوهُ، وَقَدْ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ قَبْلَ ذَلكَ". قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَمَّا دَعا لَهُما أنْ يُبَارِكَ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ والماء، قال لَهَا هَلْ منْ حَبٍّ أوْ غيرِهِ منَ الطَّعامِ؟ قالَتْ: لا وَلَوْ وَجَدَ يَوْمَئذٍ لَهَا حَبًّا لَدَعا لَهَا بالبَركَةِ فيهِ". قال ابن عباس: ثم لبث ما شاء الله أن يلبث، ثم جاء فوجد إسماعيل قاعدا تحت دَوْحة إلى ناحية البئر يبرى نبلا له، فسلم عليه ونزل إليه، فقعد معه وقال: يا إسماعيل، إن الله قد أمرني بأمر، قال إسماعيل: فأطع ربك فيما أمرك، قال إبراهيم: أمرني أن أبني له بيتا، قال إسماعيل: ابنِ، قال ابن عباس: فأشار له إبراهيم إلى أكمة بين يديه مرتفعة على ما حولها يأتيها السيل من نواحيها، ولا يركبها. قال: فقاما يحفران عن القواعد يرفعانها ويقولان (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ربنا تقبل منا إنك سميع الدعاء، وإسماعيل يحمل الحجارة على رقبته، والشيخ إبراهيم يبني. فلما ارتفع البنيان وشق على الشيخ تناوله، قرب إليه إسماعيل هذا الحجَر، فجعل يقوم عليه ويبني، ويحوله في نواحي البيت حتى انتهى، يقول ابن عباس: فذلك مقام إبراهيم وقيامه عليه.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) قال: أسكن إسماعيل وأمه مكة.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير (إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) قال: حين وضع إسماعيل.
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذن: ربنا إني أسكنت بعض ولدي بواد غير ذي زرع. وفي قوله ﷺ دليل على أنه لم يكن هنالك يومئذ ماء، لأنه لو كان هنالك ماء لم يصفه بأنه غير ذي زرع عند بيتك الذي حرّمته على جميع خلقك أن يستحلوه.
وكان تحريمه إياه فيما ذكر كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب قال في خطبته: إن هذا البيت أوّل من وليه أناس من طسْم، فعصوا ربهم واستحلوا حرمته، واستخفوا بحقه، فأهلكهم الله. ثم وليهم أناس من جُرهم فَعصوا ربهم واستحلوا حرمته واستخفوا بحقه، فأهلكهم الله. ثم وليتموه معاشر قريش، فلا تعصوا ربه، ولا تستحلوا حرمته، ولا تستخفوا بحقه، فوالله لصلاة فيه أحبّ إليّ من مئة صلاة بغيره، واعلموا أن المعاصي فيه على نحو من ذلك. وقال (إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) ولم يأت بما وقع عليه الفعل، وذلك أن حظّ الكلام أن يقال: إني أسكنت من ذريتي جماعة، أو رجلا أو قوما، وذلك غير (١) جائز مع "من" لدلالتها على المراد من الكلام، والعرب تفعل ذلك معها كثيرا، فتقول: قتلنا من بني فلان، وطعمنا من الكلأ وشربنا من الماء، ومنه قول الله تعالى (أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ).
فإن قال قائل: وكيف قال إبراهيم حين أسكن ابنه مكة (إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) وقد رويت في الأخبار التي ذكرتها أن إبراهيم بنى البيت بعد ذلك بمدة. قيل: قد قيل في ذلك أقوال قد ذكرتها في سورة البقرة، منها أن معناه: عند بيتك المحرّم الذي كان قبل أن ترفعه من الأرض حين رفعته أيام الطوفان، ومنها عند بيتك المحرم من استحلال حرمات الله فيه، والاستخفاف بحقه. وقوله (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) يقول: فعلت ذلك
(١) يريد أن من إذا كان معناها التبعيض. كما في الآية، لم يجز ذكر المفعول بعدها، لأنها حينئذ بمعنى المفعول، أي أسكنت بعض ذريتي بواد غير ذي زرع.
يا ربنا كي تؤدّى فرائضك من الصلاة التي أوجبتها عليهم في بيتك المحرّم. وقوله (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) يخبر بذلك تعالى ذكره عن خليله إبراهيم أنه سأله في دعائه أن يجعل قلوب بعض خلقه تنزع إلى مساكن ذريته الذين أسكنهم بواد غير ذي زرع عند بيته المحرَّم. وذلك منه دعاء لهم بأن يرزقهم حج بيته الحرام.
كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، عن عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير (أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) ولو قال أفئدة الناس تهوي إليهم لحجت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: أفئدة من الناس تهوي إليهم فهم المسلمون.
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) قال: لو كانت أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم، ولكنه أفئدة من الناس.
حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) قال: لو قال: أفئدة الناس تهوي إليهم، لازدحمت عليهم فارس والروم.
حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عليّ، يعني ابن الجعد، قال: أخبرنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، مثله.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سألت عكرمة عن هذه الآية (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) فقال: قلوبهم تهوي إلى البيت.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شعبة،
عن الحكم، عن عكرمة وعطاء وطاوس (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) البيت تهوي إليه قلوبهم يأتونه.
حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا يحيى بن عباد، قال: ثنا سعيد، عن الحكم، قال: سألت عطاء وطاوسا وعكرمة، عن قوله (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) قالوا: الحج.
حدثنا الحسن، قال: ثنا شبابة وعليّ بن الجعد، قالا أخبرنا سعيد، عن الحكم، عن عطاء وطاوس وعكرمة في قوله (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) قال: هواهم إلى مكة أن يحجوا.
حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سألت طاوسا وعكرمة وعطاء بن أبي رباح، عن قوله (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) فقالوا: اجعل هواهم الحجّ.
حدثنا الحسن، قال: ثنا يحيى بن عباد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لو كان إبراهيم قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم لحجه اليهود والنصارى والناس كلهم، ولكنه قال (أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ).
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) قال: تنزع إليهم.
حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قالا أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
وقال آخرون: إنما دعا لهم أن يهووا السكنى بمكة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) قال: إن إبراهيم خليل الرحمن سأل الله أن يجعل أناسا من الناس يَهْوون سكنى أو سَكْن مكة.
وقوله (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ) يقول تعالى ذكره: وارزقهم من ثمرات النبات والأشجار ما رزقت سكان الأرياف والقرى التي هي ذوات المياه والأنهار، وإن كنت أسكنتهم واديا غير ذي زرع ولا ماء. فرزقهم جلّ ثناؤه ذلك.
كما حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، قال: قرأت على محمد بن مسلم الطائفي أن إبراهيم لما دعا للحرم (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ) نقل

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وهذا يدل على أن هذا دعاء ثان بعد الدعاء الأول الذي دعا به عندما ولى عن هاجر وولدها، وذلك قبل بناء البيت، وهذا كان بعد بنائه، تأكيدًا ورغبة إلى الله، عز وجل ؛ ولهذا قال :﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾
وقوله :﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ قال ابن جرير : هو متعلق بقوله :" المحرم " أي : إنما جعلته محرما ليتمكن أهله من إقامة الصلاة عنده.
﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير : لو قال :" أفئدة الناس " لازدحم عليه فارس والروم واليهود(١) والنصارى والناس كلهم، ولكن قال :﴿مِنَ النَّاسِ﴾ فاختص به المسلمون.
وقوله :﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ أي : ليكون ذلك عونا لهم على طاعتك وكما أنه ﴿وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ فاجعل لهم ثمارا يأكلونها. وقد استجاب الله ذلك، كما قال :﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧] وهذا من لطفه تعالى وكرمه ورحمته وبركته : أنه ليس في البلد الحرام مكة شجرة مثمرة، وهي تجبى إليها ثمرات ما حولها، استجابة لخليله إبراهيم، عليه الصلاة والسلام.
١ - في ت :"واليهود والروم"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي (١) بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٦، ٩٧]، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ فَعَرَّفَهُ كَأَنَّهُ دَعَا بِهِ بَعْدَ بِنَائِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٩]، وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ أَكْبَرُ مِنْ إِسْحَاقَ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَمَّا حِينُ ذَهَبَ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ وَهُوَ رَضِيعٌ إِلَى مَكَانِ مَكَّةَ، فَإِنَّهُ دَعَا أَيْضًا فَقَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٢٦]، كَمَا ذَكَرْنَاهُ هُنَالِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مُسْتَقْصًى مُطَوَّلًا.
وَقَالَ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ﴾ يَنْبَغِي لِكُلِّ دَاعٍ أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِذُرِّيَّتِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ افْتَتَنَ بِالْأَصْنَامِ خَلَائِقُ مِنَ النَّاسِ وَأَنَّهُ بَرِئٌ مِمَّنْ عَبَدَهَا، وَرَدَّ أَمْرَهُمْ (٢) إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ (٣) وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ (٤) كَمَا قَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١١٨]، وَلَيْسَ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِنَ الرَّدِّ إِلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا تَجْوِيزُ (٥) وُقُوعِ ذَلِكَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادة حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَير (٦) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَقَوْلَ (٧) عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وَرَفْعَ يَدَيْهِ، [ثُمَّ] (٨) قَالَ: "اللَّهُمَّ أُمَّتِي، اللَّهُمَّ أُمَّتِي، اللَّهُمَّ أُمَّتِي"، وَبَكَى فَقَالَ اللَّهُ: [يَا جِبْرِيلُ] (٩) اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ -وَرَبُّكَ أَعْلَمُ وَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ، [قَالَ] (١٠) فَقَالَ اللَّهُ: اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ لَهُ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ (١١).
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا دُعَاءٌ ثَانٍ بَعْدَ الدُّعَاءِ الْأَوَّلِ الَّذِي دَعَا بِهِ عِنْدَمَا وَلَّى عَنْ هَاجَرَ وَوَلَدِهَا، وَذَلِكَ قَبْلَ بِنَاءِ الْبَيْتِ، وَهَذَا كَانَ بَعْدَ بِنَائِهِ، تَأْكِيدًا وَرَغْبَةً إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾
وَقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "الْمُحَرَّمِ" أَيْ: إِنَّمَا جَعَلْتَهُ مُحَرَّمًا لِيَتَمَكَّنَ أَهْلُهُ مِنْ إِقَامَةِ الصلاة عنده.
(١) في أ: "للتي" وهو خطأ.
(٢) في أ: "أمره".
(٣) في أ: "عذبه".
(٤) في أ: "له".
(٥) في ت: "لا تحرير".
(٦) في أ: "ابن جرير".
(٧) في ت، أ: "وقال".
(٨) زيادة من ت، أ.
(٩) زيادة من ت، أ.
(١٠) زيادة من ت.
(١١) رواه الطبري في تفسيره (١٣/١٥١).

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٣٧ } ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾
وذلك أنه أتى ب " هاجر " أم إسماعيل وبابنها إسماعيل عليه الصلاة والسلام وهو في الرضاع، من الشام حتى وضعهما في مكة وهي -إذ ذاك- ليس فيها سكن، ولا داع ولا مجيب، فلما وضعهما دعا ربه بهذا الدعاء فقال -متضرعا متوكلا على ربه :﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي : لا كل ذريتي لأن إسحاق في الشام وباقي بنيه كذلك وإنما أسكن في مكة إسماعيل وذريته، وقوله :﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أي : لأن أرض مكة لا تصلح للزراعة.
﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاة﴾ أي : اجعلهم موحدين مقيمين الصلاة لأن إقامة الصلاة من أخص وأفضل العبادات الدينية فمن أقامها كان مقيما لدينه، ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ أي : تحبهم وتحب الموضع الذي هم ساكنون فيه.
فأجاب الله دعاءه فأخرج من ذرية إسماعيل محمدا ﷺ حتى دعا ذريته إلى الدين الإسلامي وإلى ملة أبيهم إبراهيم فاستجابوا له وصاروا مقيمي الصلاة.
وافترض الله حج هذا البيت الذي أسكن به ذرية إبراهيم وجعل فيه سرا عجيبا جاذبا للقلوب، فهي تحجه ولا تقضي منه وطرا على الدوام، بل كلما أكثر العبد التردد إليه ازداد شوقه وعظم ولعه وتوقه، وهذا سر إضافته تعالى إلى نفسه المقدسة.
﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ فأجاب الله دعاءه، فصار يجبي إليه ثمرات كل شيء، فإنك ترى مكة المشرفة كل وقت والثمار فيها متوفرة والأرزاق تتوالى إليها من كل جانب.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٣٧} ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾.
وذلك أنه أتى بـ "هاجر" أم إسماعيل وبابنها إسماعيل عليه الصلاة والسلام وهو في الرضاع، من الشام حتى وضعهما في مكة وهي -إذ ذاك- ليس فيها سكن، ولا داع ولا مجيب، فلما وضعهما دعا ربه بهذا الدعاء فقال -متضرعا متوكلا على ربه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي: لا كل ذريتي لأن إسحاق في الشام وباقي بنيه كذلك وإنما أسكن في مكة إسماعيل وذريته، وقوله: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أي: لأن أرض مكة لا تصلح للزراعة.
﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أي: اجعلهم موحدين مقيمين الصلاة لأن إقامة الصلاة من أخص وأفضل العبادات الدينية فمن أقامها كان مقيما لدينه، ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ أي: تحبهم وتحب الموضع الذي هم ساكنون فيه.
فأجاب الله دعاءه فأخرج من ذرية إسماعيل محمدا ﷺ حتى دعا ذريته إلى الدين الإسلامي وإلى ملة أبيهم إبراهيم فاستجابوا له وصاروا مقيمي الصلاة.
وافترض الله حج هذا البيت الذي أسكن به ذرية إبراهيم وجعل فيه سرا عجيبا جاذبا للقلوب، فهي تحجه ولا تقضي منه وطرا على الدوام، بل كلما أكثر العبد التردد إليه ازداد شوقه وعظم ولعه وتوقه، وهذا سر إضافته تعالى إلى نفسه المقدسة.
﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ فأجاب الله دعاءه، فصار يجبي إليه ثمرات كل شيء، فإنك ترى مكة المشرفة كل وقت والثمار فيها متوفرة والأرزاق تتوالى إليها من كل جانب.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١١ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
تَهْوِي إِلَيْهِمْ
تَمِيلُ إِلَيْهِمْ، وَتَحِنُّ.

إعراب الآية ٣٧ من سورة إبراهيم

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٣٤]

وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)
وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ في معناه أقوال فمذهب الفراء من كل سؤالكم، كما تقول: أنا أعطيته سؤاله وإن لم يسأل شيئا أي ما لم يسأل لسأله، وقال الأخفش:
وآتاكم من كل ما سألتموه شيئا، أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل: ٢٣] أي من كلّ شيء في زمانها شيئا. قال: ويكون على التكثير، وحكى سيبويه: ما بقي منهم مخبّر، وذلك معروف في كلام العرب، وفيه قول رابع وهو أنّ الناس قد سألوا على تفرّق أحوالهم الأشياء فخوطبوا على ذلك.

[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٣٥]

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥)
رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مفعولان. وَاجْنُبْنِي ويقال على التكثير: جنّبني، ويقال: أجنبني. أَنْ نَعْبُدَ في موضع نصب والمعنى من أن نعبد الأصنام.

[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٣٦]

رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)
فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي أي من أهل ديني ومن أصحابي، وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي له إن تاب.

[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٣٧]

رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ وحذف المفعول لأن «من» تدلّ عليه وكذا رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي.

[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٤٢]

وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢)
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا مفعولان.

[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٤٣]

مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣)
وقال أبو إسحاق مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ نصب على الحال. والمعنى ليوم تشخص فيه أبصارهم مهطعين أي مسرعين لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ رفع بيرتد. وَأَفْئِدَتُهُمْ مبتدأ. هَواءٌ خبره.

[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٤٤]

وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (٤٤)
وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ليس لجواب الأمر ولكنه معطوف
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٣٧ من سورة إبراهيم

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

أَفْئِدَةً

(أَفْئِدَةً) بحذف الياء الساكنة بين الهمزة والدال

رويس عن يعقوب ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم هشام عن ابن عامر إسحاق عن خلف حفص عن عاصم السوسي عن أبي عمرو خلف عن حمزة خلاد عن حمزة الدوري عن أبي عمرو إدريس عن خلف قنبل عن ابن كثير أبو الحارث عن الكسائي روح عن يعقوب البزي عن ابن كثير الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر ورش عن نافع قالون عن نافع ابن جمّاز عن أبي جعفر

(أَفْئِيدَةً) بياء ساكنة بين الهمزة والدال

هشام عن ابن عامر

إِلَيْهِمْ

(إِلَيْهُمْ) بضم الهاء وإسكان الميم

روح عن يعقوب خلاد عن حمزة خلف عن حمزة رويس عن يعقوب

(إِلَيْهِمْ) بكسر الهاء وإسكان الميم

إسحاق عن خلف ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي قالون عن نافع هشام عن ابن عامر ورش عن نافع السوسي عن أبي عمرو إدريس عن خلف الدوري عن أبي عمرو

(إِلَيْهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم

قنبل عن ابن كثير قالون عن نافع ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر البزي عن ابن كثير

إِنِّى أَسْكَنتُ

(إِنِّى) بإسكان الياء ومدها 4 أو 5 حركات

شعبة عن عاصم حفص عن عاصم

(إِنِّى) بإسكان الياء ومدها 6 حركات

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة

(إِنِّى) بإسكان الياء ومدها حركتين

روح عن يعقوب رويس عن يعقوب

(إِنِّى) باسكان الياء ومدها 4 حركات

إدريس عن خلف ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي إسحاق عن خلف

(إِنِّىَ) بفتح الياء

السوسي عن أبي عمرو ورش عن نافع البزي عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير قالون عن نافع ابن جمّاز عن أبي جعفر الدوري عن أبي عمرو

النَّاسِ

بالإمالة

الدوري عن أبي عمرو

بالفتح

رويس عن يعقوب إسحاق عن خلف روح عن يعقوب إدريس عن خلف ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٣٧ من سورة إبراهيم

١٤ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٣ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١٦ قولًا
١
عن قتادة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ربَّنا إني أسكنتُ من ذريَّتي بوادٍ غير ذي زرعٍ عند بيتك المحرم﴾: وإنّه بيتٌ طهَّره الله مِن السوء، وجعله قبلةً، وجعله حَرمَه، اختاره نبيُّ الله إبراهيم لولده. وقد ذُكر لنا: أنّ عمر بن الخطاب قال في خطبته: إنّ هذا البيتَ أوَّل مَن ولِيه ناسٌ مِن طَسْمٍ١، فعَصَوْا فيه، واسْتَخَفُّوا بحقِّه، واستحلُّوا حرمته، فأهلكهم الله، ثم ولِيَه ناسٌ مِن جُرهُم، فعصَوا فيه، واستخفُّوا بحقِّه، واستحلُّوا حرمته، فأهلكهم الله، ثم وليتموه معاشر قريشٍ، فلا تعصُوا، ولا تستخفُّوا بحقِّه، ولا تستحلوا حرمتَه، وصلاةٌ فيه أحبُّ إليَّ من مائة صلاةٍ بغيره، والمعاصي فيه على قدر ذلك٢٣
التخريج
  1. ١طَسْم: قبيلة من قوم عادٍ، وقد انقرضوا. اللسان (طسم).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١٣‏/‏٦٩٤، ٦٩٦، ٦٩٧. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
تعليقات المحققين
  1. ٣ذكر ابنُ عطية (٥/٢٥٥) في معنى: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّم﴾ احتمالين، فقال: «وقوله: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ إما أن يكون البيت قد كان قديمًا على ما رُوي قبل الطوفان، وكان علمه عند إبراهيم، وإما أن يكون قالها لما كان قد أعلمه الله تعالى أنه سيبني هنالك بيتًا لله تعالى فيكون مُحَرَّمًا، والمعنى: مُحَرَّمًا على الجبابرة أن تُنتَهَك حرمته ويستخف بحقه. قاله قتادة وغيره».
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿عند بيتك المحرم﴾، حَرَّمه لِئَلّا يُسْتَحَلَّ فيه ما لا يَحِلّ١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٤٠٨.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿فاجعل أفئدةً مِّن النّاسِ تهوي إليهم﴾، قال: إنّ إبراهيم سأل اللهَ أن يجعل أُناسًا مِن الناس يَهْوُون سُكْنى مكةَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٣‏/‏٧٠٠. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه.
٤
عن عبد الله بن عباس، قال: إنّ إبراهيم عليه السلام حين قال: ﴿فاجعلْ أفئدةً من النّاس تهوي إليهمْ﴾ لو قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم. لغلَبتكم عليه التُّرْكُ والرُّومُ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: لو كان إبراهيمُ عليه السلام قال: فاجعل أفئدة الناس تَهوِي إليهم. لَحَجَّه اليهودُ والنصارى والناسُ كلُّهم، ولكنه قال: ﴿أفئدةً من النّاس﴾، فخصَّ به المؤمنين١
التخريج
  1. ١أخرجه آدم بن أبي إياس -كما في تفسير مجاهد ١‏/‏٤١٢- دون قوله: والناس كلّهم، وابن جرير ١٣‏/‏٦٩٩-٧٠٠ دون قوله: فخصَّ به المؤمنين، والبيهقي في الشعب (٣٩٩٦) بسند حسن. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٦
عن إسماعيل السُّدِّيّ: ﴿فاجعل أفئدةً من النّاس تهوِي إليهم﴾، يقول: خُذبقلوبِ الناس إليهم، فإنّه حيثُ يَهْوى القلبُ يذهبُ الجسدُ، فلذلك ليس مِن مؤمنٍ إلا وقلبه مُعَلَّق بحُبِّ الكعبة، قال ابن عباس: لو أنّ إبراهيم حين دعا قال: اجعل أفئدةَ الناسِ تهْوِي إليهم. لازدحمت عليه اليهودُ والنصارى، ولكنه خصَّ حينَ قال: ﴿أفئدةً من النّاس﴾. فجعل ذلك أفئدة المؤمنين١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٧
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء- ﴿أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾: ولو قال: أفئدة الناس تهوي إليهم. لَحَجَّتِ اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: ﴿أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾ فهم المسلمون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٣‏/‏٦٩٨.
٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق منصور- في قوله: ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾، قال: لو قال: أفئدة الناس تهوِي إليهم. لازْدَحَمَتْ عليه فارسُ والرومُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٤‏/‏١١٢، وابن جرير ١٣‏/‏٦٩٨. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، والطبرانيّ. وزاد الثعلبي ٥‏/‏٣٢٣، والبغوي ٤‏/‏٣٥٧: والترك والهند.
٩
عن عكرمة مولى ابن عباس، وطاووس بن كيسان، وعطاء بن أبي رباح -من طريق الحكم- عن هذه الآية: ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾، فقالوا: البيتُ تهوي إليه قلوبهم يأتونه. وفي لفظ: قالوا: هواهم إلى مكة أن يَحُجُّوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١١١ - ١١٢، وابن جرير ١٣/ ٦٩٩. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
١٠
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿فاجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم﴾، قال: تنزِعُ إليهم١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٣٤٣ من طريق معمر، وابن جرير ١٣‏/‏٧٠٠. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿عند بيتك المحرم﴾ حرَّمه لِئَلّا يستحل فيه ما لا يحل، فيها تقديم، ﴿ربنا ليقيموا الصلاة﴾ يعني: اجنبنى وبني أن نعبد الأصنام، لكي يُصَلُّوا لك عند بيتك المحرم، ويعبدونك، ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾ يقول: اجعل قومًا مِن الناس تهوي إليهم، يعني: إلى إسماعيل وذريته، ﴿وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾ ولو قال: اجعل أفئدة الناس تهوي إليهم. لازْدَحَمَ عليهم الحرز١ والدَّيْلَم، ولكنه قال: ﴿فاجعل أفئدة من الناس﴾٢
التخريج
  1. ١كذا في المطبوع، ولعله تصحَّف عن: الخزر. والخزَر: جيل من كفرة الترك، وقيل: من العجم، وقيل: من التتار، وقيل من الأكراد. تاج العروس (خزر).
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٤٠٨.
١٢
عن هشام، قال: قرأتُ على محمد بن مسلم الطائفي: أنّ إبراهيم لَمّا دعا للحرم: ﴿وارزق أهله من الثمرات﴾ نقل اللهُ الطائفَ مِن فلسطين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٣‏/‏٧٠١. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
١٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- في قوله: ﴿ربَّنا إني أسكنتُ من ذُريَّتي بواد غير ذي زرعٍ﴾، قال: أسْكَن إسماعيلَ وأُمَّه مكة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٣‏/‏٦٩٦.
١٤
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن السائب- ﴿إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع﴾، قال: حين وضَع إسماعيل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٣‏/‏٦٩٦.
١٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- ﴿بوادٍ غير ذي زرع﴾، قال: مكة، لم يكن بها زرعٌ يومئذٍ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٣‏/‏٦٩٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
١٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي﴾ يعني: إسماعيل ابني خاصَّة، ﴿بواد غير ذي زرع﴾ يعني: لا حَرْثَ فيها، ولا ماء، يعني: مكة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٤٠٨.

آثار متعلقة بالآيات

٣ أقوال
١
عن عقيل بن أبي طالبٍ، أنّ النبيَّ ﷺ لَمّا أتاه الستة النَّفَر مِن الأنصار جلس إليهم عند جمرة العقبة، فدعاهم إلى الله، وإلى عبادته، والمؤازرة على دينه، فسألوه أن يعرض عليهم ما أُوحِي إليه، فقرأ من سورة إبراهيم: ﴿وإذ قال إبراهيم ربِّ اجعل هذا البلد آمنًا واجنُبني وبني أن نعبُد الأصنام﴾ إلى آخر السورة. فرَقَّ القومُ وأخبتوا حين سَمِعوا منه ما سمعوا، وأجابوه١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي نعيم في الدلائل.
٢
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ لأهل المدينة: «اللَّهُمَّ، بارِكْ لهم في صاعِهم ومُدِّهم، واجعل أفئدة الناس تهوي إليهم»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الأوسط ٩‏/‏٩٣ (٩٢٢٥)، والخطيب في تاريخه ١٥‏/‏٣٩٨ (٤٥٢٠) كلهم بدون الجملة الأخيرة. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه. قال الطبراني: «لم يروِ هذا الحديثَ عن نافع بن أبي نعيم إلا عبد الله بن جعفر، تفرَّد به محمد بن بسام المروزي».
٣
عن محمد ابن شهاب الزُّهْرِي، قال: إنّ الله تعالى نَقَل قريةً مِن قُرى الشام، فوضعها بالطائف؛ لدعوة إبراهيم عليه السلام١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.

قصة الآيات

٤ أقوال
١
عن عامر بن سعد [بن أبي وقاص]، عن أبيه، قال: كانت سارةُ تحت إبراهيم عليه السلام، فمَكَثَتْ معه دهرًا لا تُرزقُ منه ولدًا، فلمّا رأت ذلك وهَبَتْ له هاجر؛ أمَةً قِبْطِيَّةً، فوَلَدَتْ له إسماعيل، فغارَتْ مِن ذلك سارةُ، ووجدت في نفسها، وعتبت على هاجر، فحلفت أن تقطع منها ثلاثة أشرافٍ١، فقال لها إبراهيمُ: هل لك أن تَبَرِّي يمينِك؟ فقالت: كيف أصنعُ؟ قال: اثْقُبِي أُذُنَيْها، واخفضيها -والخفض: هو الخِتانُ-. ففَعَلَتْ ذلك بها، فوضعت هاجر في أذنيها قرطين، فازدادت بهما حسنًا. قالت سارةُ: أُراني إنّما زدتَها جمالًا. فلم تُقارَّه٢ على كونه معها، ووجد بها إبراهيم وجدًا شديدًا، فنقلها إلى مكة، فكان يزورها في كلِّ يومٍ مِن الشام على البُراق مِن شَغَفِه بها، وقِلَّة صبرِه عنها٣
التخريج
  1. ١أشراف الإنسان: أذناه وأنفه وفَرْجه، وتُطلق أيضًا على أعلاه وأسفله. اللسان (شرف).
  2. ٢قارَّه: قَرَّ معه وسكن. اللسان (قرر).
  3. ٣أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦٩‏/‏١٨٧ من طريق الواقدي. وعزاه السيوطي إلى الواقدي.
٢
عن سعيد بن جبير أنّه كان مع أُناسٍ ليلًا، فقال: سَلُوني قبل ألّا تسألوني. فسأله القوم، فأكثروا، وكان فيما سُئِل عنه أن قيل له: أحقٌّ ما سمعنا في المقام؟ فقال سعيد: ماذا سمعتم؟ قالوا: سمعنا أنّ إبراهيم رسول الله حين جاء مِن الشام كان حلف لامرأته أن لا ينزل مكَّةَ حتى يرجع، فقُرِّب له المقام، فنزل عليه، فقال سعيد: ليس كذاك حدَّثنا ابن عباس، ولكنه حدَّثنا حين كان بين أمِّ إسماعيل وسارة ما كان أقبل بإسماعيل، ثم ذكر [القصة]... ، ثُمَّ حدَّث وقال: قال أبو القاسم ﷺ: «طلبوا النزول معها وقد أحبت أم إسماعيل الأُنْس، فنزلوا وبعثوا إلى أهلهم فقدموا، وطعامهم الصيد، يخرجون من الحرم، ويخرج إسماعيل معهم يتصيد، فلما بلغ أنكحوه، وقد توفيت أمه قبل ذلك». قال: وقال رسول الله ﷺ: «لَمّا دعا لهما أن يُبارك لهم في اللحم والماء، قال لها: هل مِن حَبٍّ أو غيره مِن الطعام؟ قالت: لا. ولو وُجِد يومئذ لها حبًّا لدعا لها بالبركة فيه». قال ابن عباس: ثم لبِث ما شاء الله أن يلبَث، ثُمَّ جاء فوجد إسماعيل قاعدًا تحت دوحة إلى ناحية البئر يَبْرِي نبلًا له، فسلَّم عليه، ونزل إليه، فقعد معه، وقال: يا إسماعيل، إنّ الله قد أمرني بأَمْر. قال إسماعيل: فأطِع ربَّك فيما أمَرَك. قال إبراهيم: أمَرَني أن أبني له بيتًا. قال إسماعيل: أين؟ قال ابنُ عباس: فأشار له إبراهيم إلى أكَمَةٍ بين يديه مرتفعة على ما حولها يأتيها السَّيْل مِن نواحيها، ولا يركبها. قال: فقاما يحفران عن القواعد يرفعانها، ويقولان: ﴿ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم﴾ [البقرة:١٢٧]، ربَّنا، تَقَبَّل منا، إنّك سميع الدعاء. وإسماعيل يحمل الحجارة على رقبته، والشيخ إبراهيم يبني، فلمّا ارتفع البنيان، وشَقَّ على الشيخ تناولُه؛ قَرُب إليه إسماعيل هذا الحجر، فجعل يقوم عليه، ويبني، ويحوله في نواحي البيت حتى انتهى. يقول ابن عباس: فذلك مقام إبراهيم، وقيامه عليه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٣‏/‏٦٩٤-٦٩٦، من طريق القاسم، قال: ثنا الحسين، عن حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني كثير بن كثير، قال: كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان في أناس مع سعيد بن جبير. فذكره. إسناده صحيح.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: إنّ أوَّلَ مَن سعى بين الصفا والمروة لَأُمُّ إسماعيل، وإنّ أول ما أحدث نساءُ العرب جَرَّ الذيول لَمِن أُمِّ إسماعيل. قال: لَمّا فَرَّت مِن سارة أرْخَتْ مِن ذيلها لِتُعْفِي أثرَها، فجاء بها إبراهيم ومعها إسماعيل حتى انتهى بهما إلى موضع البيت، فوضعهما، ثم رجع، فاتبعته، فقالت: إلى أيِّ شيء تَكِلُنا؟ إلى طعام تَكِلُنا؟ إلى شراب تَكِلُنا؟ فجعل لا يَرُدُّ عليها شيئًا، فقالت: اللهُ أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يُضَيِّعَنا. قال: فرَجَعَتْ، ومضى حتى إذا استوى على ثنية كَداء أقبل على الوادي، فدعا، فقال: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة، فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾. قال: ومع الإنسانة شَنَّةٌ١ فيها ماء، فنَفِد الماء، فعَطِشَتْ، وانقطع لبنها، فعَطِش الصبيُّ، فنظرت أيّ الجبال أدنى مِن الأرض، فصعِدت بالصَّفا، فتَسَمَّعَتْ هل تسمع صوتًا أو ترى أنِيسًا، فلم تسمع، فانحدرت، فلمّا أتت على الوادي سَعَتْ وما تريد السعي، كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد السعي، فنَظَرَتْ أيَّ الجبال أدنى مِن الأرض، فصعدت المروةُ، فتَسَمَّعَتْ هل تسمع صوتًا، أو ترى أنيسًا، فسمعت صوتًا، فقالت كالإنسان الذي يُكَذِّب سمعَه: صَه. حتى استيقنت، فقالت: قد أسمعتني صوتَك، فأغِثْنِي، فقد هلكتُ وهلك مَن معي. فجاء الملَك، فجاء بها حتى انتهى بها إلى موضع زمزم، فضرب بقدمه، ففارَتْ عينًا، فعَجِلَت الإنسانةُ، فجعلت في شَنّتها، فقال رسول الله ﷺ: «رَحِم اللهُ أمَّ إسماعيل، لولا أنّها عجِلت لكانت زمزمُ عينًا مَعِينًا». وقال لها الملَك: لا تخافي الظَّمَأَ على أهل هذا البلد، فإنّما هي عين لِشُرب ضيفان الله. وقال: إنّ أبا هذا الغلام سيجيء، فيبنيان لله بيتًا هذا موضعه. قال: ومرَّتْ رِفقةٌ مِن جُرْهُم تريد الشام، فرأوا الطيرَ على الجبل، فقالوا: إنّ هذا الطيرَ لَعائِفٌ على ماء، فهل علمتم بهذا الوادي مِن ماء؟ فقالوا: لا. فأَشْرَفُوا، فإذا هم بالإنسانة، فأَتَوْها، فطلبوا إليها أن ينزلوا معها، فأَذِنَت لهم. قال: وأتى عليها ما يأتي على هؤلاء الناس مِن الموت، فماتت، وتزوَّج إسماعيلُ امرأةَ منهم، فجاء إبراهيمُ، فسأل عن منزل إسماعيل حتى دَلَّ عليه، فلم يجِدْه، ووجد امرأةً له فظَّةً غليظة، فقال لها: إذا جاء زوجُكِ فقولي له: جاء ههنا شيخٌ مِن صفته كذا وكذا، وإنّه يقول لك: إنِّي لا أرضى لك عَتَبَةَ بابك، فحوِّلها. وانطَلَق، فلمّا جاء إسماعيل أخبرته، فقال: ذاك أبي، وأنتِ عَتَبَة بابي. فطلَّقها، وتزَوَّج امرأة أخرى منهم، وجاء إبراهيم حتى انتهى إلى منزل إسماعيل، فلم يجده، ووجد امرأةً له سهلة طَلِيقَةً، فقال لها: أين انطلَق زوجُك؟ فقالت: انطَلَق إلى الصيد. قال: فما طعامكم؟ قالت: اللحم، والماء. قال: اللَّهُمَّ، بارِك لهم في لحمهم ومائهم، اللَّهُمَّ، بارك لهم في لحمهم ومائهم. ثلاثًا، وقال لها: إذا جاء زوجُكِ فأخبريه، قولي: جاء ههنا شيخ مِن صفته كذا وكذا، وإنّه يقول لك: قد رضيتُ لكَ عَتَبَةَ بابك، فأَثْبِتْها، فلمّا جاء إسماعيلُ أخبرته، قال: ثم جاء الثالثة، فرفعا القواعد مِن البيت٢
التخريج
  1. ١الشَّنَّة: القديم من كل آنية صُنعت من جِلد. اللسان (شنن).
  2. ٢أخرجه ابن أبي شيبة ٧‏/‏٢٤٩ (٣٥٧٦٢) مختصرًا، وابن جرير في تاريخه ١‏/‏٢٥٥-٢٥٧، وفي تفسيره ١٣‏/‏٦٩٠-٦٩١، من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، قال: نُبِّئت عن سعيد بن جبير أنّه حدث عن ابن عباس به. إسناده صحيح. قال الإمام أحمد في العلل ومعرفة الرجال ٢‏/‏٣٦٦: «قال إسماعيل عن أيوب: نُبِّئت عن سعيد، ومعمر يرويه عن أيوب عن سعيد لم يقل: نبئت، وأبو عوانة يرويه عن أبي بشر عن سعيد بن جبير.. فأظن أنّ أيوب حمله عن أبي بشر عن سعيد؛ لأن ابن علية قال: عن أيوب نُبِّئت عن سعيد». وأبوبشر هو جعفر بن إياس، المعروف بابن أبي وحشية.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: جاء نبيُّ الله إبراهيمُ بإسماعيل وهاجر، فوضعهما بمكة في موضع زمزم، فلمّا مضى نادَتْه هاجر: يا إبراهيم، إنّما أسألك -ثلاث مرات-: مَن أمرك أن تضعني بأرض ليس فيها ضرع، ولا زرع، ولا أنيس، ولا زاد، ولا ماء؟ قال: ربي أمرني. قالت: فإنّه لن يُضَيِّعنا. قال: فلمّا قفا إبراهيمُ قال: ﴿ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن﴾ يعني: مِن الحُزْن، ﴿وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء﴾ فلمّا ظَمِئ إسماعيلُ جَعَل يَدْحَضُ الأرضَ بعَقِبِه، فذَهَبَتْ هاجر حتى عَلَتِ الصَّفا، والوادي يومئذ لاخ -يعني: عميق-، فصعدت الصفا، فأشرفت لِتنظر هل ترى شيئًا، فلم تَرَ شيئًا، فانحَدَرَتْ، فبَلَغَتِ الوادي، فسَعَتْ فيه حتى خرجت منه، فأتَتِ المروة، فصَعدت، فاستشرفت هل تَرَ شيئًا، فلم تَرَ شيئًا، ففعلت ذلك سبع مرات، ثم جاءت مِن المروة إلى إسماعيل، وهو يدحض الأرض بعَقِبه، وقد نبعت العين وهي زمزم، فجعلت تفحص الأرض بيدها عن الماء، فكُلَّما اجتمع ماءٌ أخذته بقدحها، وأفرغته في سِقائِها. قال: فقال النبي ﷺ: «يرحمها الله، لو تَرَكَتْها لكانت عينًا سائِحةً تجري إلى يوم القيامة». قال: وكانت جُرْهُم يومئذ بوادٍ قريبٍ من مكة، قال: ولَزِمَتِ الطيرُ الواديَ حين رأت الماء، فلمّا رأت جرهم الطير لزمت الوادي، قالوا: ما لزمته إلا وفيه ماء. فجاءوا إلى هاجر، فقالوا: إن شئتِ كُنّا معكِ، وآنسناكِ، والماءُ ماؤُكِ. قالت: نعم. فكانوا معها حتى شَبَّ إسماعيل، وماتت هاجر، فتَزَوَّج إسماعيلُ امرأةً منهم، قال: فاستأذن إبراهيمُ سارةَ أن يأتي هاجر، فأذِنَت له، وشرطت عليه أن لا ينزل، فقدم إبراهيمُ وقد ماتت هاجر، فذهب إلى بيت إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبُكِ؟ قالت: ليس ههنا، ذهب يَتَصَيَّد. وكان إسماعيل يخرج من الحرم، فيَتَصَيَّد، ثم يرجع، فقال إبراهيم: هل عندك ضيافة، هل عندك طعام أو شراب؟ قالت: ليس عندي، وما عندي أحد. فقال إبراهيم: إذا جاء زوجُكِ فأقرئيه السلام، وقولي له: فلْيُغَيِّر عَتَبَةَ بابِه. وذهب إبراهيم، وجاء إسماعيل، فوجد رِيحَ أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحدٌ؟ فقالت: جاءني شيخ كذا وكذا. كالمُسْتَخِفَّة بشأنه، قال: فما قال لكِ؟ قالت: قال لي: أقْرِئي زوجَكِ السلامَ، وقولي له: فلْيُغَيِّر عَتَبَةَ بابه. فطلَّقها، وتزوَّج أخرى، فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل، فأذِنت له، وشرطت عليه أن لا ينزل، فجاء إبراهيمُ حتى انتهى إلى باب إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحِبُك؟ قالت: ذهب يصيد، وهو يجيء الآن -إن شاء الله-، فانزِل يرحمك الله. قال لها: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم. قال: هل عندك خبز أو بُرٌّ أو تمر أو شعير؟ قالت: لا. فجاءت باللَّبَن واللحم، فدعا لهما بالبركة، فلو جاءت يومئذ بخبز أو بُرٍّ أو شعير أو تمر لكانت أكثر أرض الله برًّا وشعيرًا وتمرًا، فقالت له: انزِل حتى أغسل رأسَك. فلم ينزل، فجاءته بالمقام، فوضعته عن شِقِّه الأيمن، فوضع قدمه عليه، فبَقِي أثرُ قدمه عليه، فغسلت شِقَّ رأسه الأيمن، ثم حوَّلَتِ المقام إلى شِقِّه الأيسر، فغسلت شِقَّه الأيسر، فقال لها: إذا جاء زوجُكِ فأقرئيه السلام، وقولي له: قد استقامت عَتَبَةُ بابِك. فلمّا جاء إسماعيل وجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ فقالت: نعم، شيخ أحسنُ الناس وجهًا، وأطيبه ريحًا، فقال لي كذا وكذا، وقلتُ له كذا وكذا، وغسلت رأسه، وهذا موضع قدمه على المقام. قال: وما قال لك؟ قالت: قال لي: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له: قد استقامت عتبة بابك. قال: ذاك إبراهيم. فلَبِث ما شاء الله أن يلبث، وأمره الله ببناء البيت، فبناه هو وإسماعيل، فلمّا بَنَياه قيل: أذِّن في الناس بالحجِّ. فجعل لا يَمُرُّ بقوم إلا قال: أيها الناس، إنّه قد بُنِي لكم بيتٌ، فحُجُّوه. فجعل لا يسمعه أحد؛ صخرة ولا شجرة ولا شيء، إلا قال: لبيك اللهم لبيك. قال: وكان بين قوله: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم﴾ وبين قوله: ﴿الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق﴾ كذا وكذا عامًا. لم يحفظ عطاء١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير في تفسيره ١٣‏/‏٦٩٢-٦٩٤، وفي تاريخه ١‏/‏٢٥٧-٢٥٩، من طريق الحسن بن محمد، قال: ثنا يحيى بن عباد، حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به. إسناده ضعيف؛ رجاله مُوَثَّقون، لكن عطاء بن السائب قد اختلط، وسماع حماد بن سلمة منه لم يَتَمَيَّز؛ إذ قد سمع منه قبل الاختلاط وبعده، فلا يُدرى هذا الحديث من أي السماعَين، كما في تهذيب التهذيب لابن حجر ٧‏/‏١٨٥، والكواكب النيرات لابن الكيّال ص٦١.
التفسير بالمأثور لسورة إبراهيم كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٣٧ من سورة إبراهيم

٤٥ وقفةً في هذه الآية

  • " وهن العظم مني" "أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع" "مسني الضر " " أشكو بثي وحزني" ياه دعوات الأنبياء تفطر القلوب.

    — عبدالله بلقاسم

  • ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع" وارزقهم من الثمرات لا تيأس من الثمرات مهما كانت الحقول قاحلة ستكون خصبة حين تقول: يااااااارب

    — عبدالله بلقاسم

  • ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع..ربنا (ليقيموا الصلاة)﴾ رحلة شاقة طويلة هجر فيها الأحبة والوطن كل ذلك من أجل الصلاة .

    — إبراهيم العقيل

  • ( ربنا إني (أسكنت) من ذريتي بواد غير ذي زرع (عند بيتك) المحرم ربنا (ليقيموا) الصلاة) السكنى بجوار المساجد يعين على إقامة الصلاة

    — عبدالله بلقاسم

  • (فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) (تهوي) : ألست تحس بأن قلبك حينما يحب شخصاً كأنه (يسقط عليه سقوطاً)

    — عقيل الشمري

  • [ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم] قد تعظم بقعة من بقاع الله لأن الله عظمها وترجو لها الأمان لأنها مهد التوحيد فحبك لها إيماني

    — مها العنزي

  • والله ما جاء بهؤلاء طبيعة ولا مطر ولا بحر! إلا الدعوة الخالصة .. ﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ﴾

    — نايف الفيصل

  • فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم .... " والله ما جاء بهؤلاء طبيعة ولا مطر ولا نزهة !! إلا هذه الدعوة الخالصة

    — نايف الفيصل

  • (إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع ..ليقيموا الصلاة...وارزقهم من الثمرات) جعل الصلوات طريقاً للأرزاق والثمرات

    — عقيل الشمري

  • [ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم] الصادق بطلب المعالي يستعذب الصعاب بل لا يلتفت لها فهدفه يستحق التضحيات

    — مها العنزي

  • "ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع" الصحاري المخيفة .. مع الله .. واحات أمان

    — علي الفيفي

  • ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم" ما أضمر عبد في قلبه تعظيم شأن الصلاة إلا هوت إليه قلوب الخلق وأحبته أفئدتهم.

    — عبدالله بلقاسم

و٣٣ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ٣٧ من سورة إبراهيم

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(37) Our Lord, I have settled some of my descendants in an uncultivated valley near Your sacred House, our Lord, that they may establish prayer. So make hearts among the people incline toward them and provide for them from the fruits that they might be grateful.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال