المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله :﴿ومن ذريتي﴾ يريد : إسماعيل عليه السلام، وذلك أن سارة لما غارت بهاجر - بعد أن ولدت إسماعيل - تعذب إبراهيم عليه السلام، بهما، فروي أنه ركب البراق وهو وهاجر والطفل - فجاء في يوم واحد من الشام إلى بطن مكة، فنزل وترك ابنه وأمته هنالك، وركب منصرفاً من يومه ذلك، وكان هذا كله بوحي من الله تعالى فلما ولَّى دعا بمضمن هذه الآية، وأما كيفية بقاء هاجر وما صنعت وسائر خبر إسماعيل، ففي كتاب البخاري والسير وغيره.
و ﴿من﴾ في قوله :﴿ومن ذريتي﴾ للتبعيض، لأن إسحاق كان بالشام، و «الوادي » : ما بين الجبلين، وليس من شروطه أن يكون فيه ماء.
وهذه الآية تقتضي أن إبراهيم عليه السلام قد كان علم من الله تعالى أنه لا يضيع هاجر وابنها في ذلك الوادي، وأنه يرزقهما الماء، وإنما نظر النظر البعيد للعاقبة فقال :﴿غير ذي زرع﴾، ولو لم يعلم ذلك من الله لقال : غير ذي ماء على ما كانت عليه حال الوادي عند ذلك(١).
وقوله :﴿عند بيتك المحرم﴾ إما أن يكون البيت قد كان قديماً - على ما روي قبل الطوفان، وكان علمه عند إبراهيم - وإما أن يكون قالها لما كان قد أعلمه الله تعالى أنه سيبني هنالك بيتاً لله تعالى، فيكون محرماً. ومعنى ﴿المحرم﴾ على الجبابرة وأن تنتهك حرمته ويستخف بحقه - قاله قتادة وغيره.
وجمعه الضمير في قوله :﴿ليقيموا﴾ يدل على أن الله قد أعلمه أن ذلك الطفل سيعقب هنالك ويكون له نسل. واللام في قوله :﴿ليقيموا﴾ هي لام كي هذا هو الظاهر فيها - على أنها متعلقة ب ﴿أسكنت﴾، والنداء اعتراض، ويصح أن تكون لام أمر، كأن رغب إلى الله أن يوفقهم بإقامة الصلاة، ثم ساق عبارة ملزمة لهم إقامة الصلاة، وفي اللفظ على هذا التأويل بعض تجوز يربطه المعنى ويصلحه.
و ﴿أفئدة﴾ : القلوب، جمع فؤاد. سمي بذلك لإنفاده، مأخوذ من فأد ومنه المفتاد، وهو مستوقد النار حيث يشوى اللحم(٢).
وقرأ ابن عامر بخلاف :﴿فاجعل أفئدة﴾ بياء بعد الهمزة(٣).
وقوله :﴿من الناس﴾ تبعيض، ومراده المؤمنون، قال مجاهد : لو قال إبراهيم : أفئدة الناس - لازدحمت على البيت فارس والروم. وقال سعيد بن جبير : لحجته اليهود والنصارى(٤). و ﴿تهوي﴾ معناه : تسير بجد وقصد مستعجل، ومنه قول الشاعر [ أبو كبير ] :[ الكامل ]
وإذا رميت به الفجاج رأيته. . . يهوي مخارمها هويَّ الأجدل(٥)
ومنه البيت المروي :[ السريع ]
تهوي إلى مكة تبغي الهدى. . . ما مؤمنو الجن كأنجاسها(٦)
وقرأ مسلمة بن عبد الله :«تُهوي » بضم التاء، من أهوى، وهو الفعل المذكور معدى بالهمزة، وقرأ علي بن أبي طالب ومحمد بن علي ومجاهد «تَهوَى » بفتح التاء والواو. وتعدي هذا الفعل - وهو من الهوى - ب «إلى »، لما كان مقترناً بسير وقصد. وروي عن مسلم بن محمد الطائفي : أنه لما دعا عليه السلام بأن يرزق سكان مكة من الثمرات بعث الله جبريل فاقتلع بجناحه قطعة من أرض فلسطين - وقيل من الأردن - فجاء بها وطاف حول البيت بها سبعاً، ووضعها قريب مكة، فهي الطائف، وبهذه القصة سميت، وهي موضع ثقيف، وبها أشجار وثمرات وثم هي ركبة.
١ قيل: إن انتفاء كونه ذا زرع يستلزم انتفاء الماء الذي لا يمكن أن يوجد زرع إلا به، فنفي ما يتسبب عن الماء وهو الزرع لانتفاء سببه وهو الماء..
٢ قال في (اللسان) :"وفأد اللحم في النار يفأده فأدا: شواه، والمفأد والمفأدة: السفود، وهو من فأدت اللحم وافتأدته إذا شويته، ولحم فئد أي: مشوي"..
٣ وقرىء: "أآفدة" على وزن فاعلة، ويحتمل أن يكون اسم فاعل من أفد أي دنا وقربن والمعنى: جماعات آفدة، وقرأت أم الهيثم: "أفودة" بالواو المكسورة بدل الهمزة، قال صاحب اللوامح: "و هو جمع وفد، والقراءة حسنة ولكني لا أعرف هذه المرأة، بل ذكرها أبو حاتم"، قال أبو حيان الأندلسي: "وأم الهيثم امرأة نقل عنها شيء من لغات العرب"..
٤ المعنى: لو قال إبراهيم :"أفئدة الناس" لحجته اليهود والنصارى..
٥ قال في (اللسان): "البيت لأبي كبير الهذلي"، واسمه عامر بن الحليس، وهو من شعراء الحماسة، قيل: إنه أدرك الإسلام وأسلم. ويروى: "ينضو مخارمها" بدلا من "يهوى"، والفجاج: جمع فج وهو الطريق، والمخارم: جمع مخرم، وتطلق المخارم على أنوف الجبال ورءوسها، والأجدل: الصقر، وفي حديث مطرف: يهوى هوي الأجادل، وقوله: "يهوى مخارمها" أراد به: "يهوى في مخارمها"، فهو على هذا ظرف، كقولك: ذهبت الشام، وكقولهم: "عسل الطريق الثعلبث"، أي: في الطريق. وقيل: "يهوي" بمعنى "يقطع"، ومخارمها مفعول صحيح..
٦ رواه أبو حيان في "البحر": "ما مؤمن الجن ككفارها"، و "تهوى" في البيت مثلها في الآية: تقصد في جد وسرعة، وتبغى: تريد وتطلب. والبيت غير منسوب..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى