بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي
عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ يعني : صنعوا صنيعهم. يعني : الأمم الخالية ﴿وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾ يعني : علم الله مكرهم، ولا يخفى عليه، قال علي بن أبي طالب :﴿وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾ التابوت، والنسور، وهم نمرود بن كنعان وقومه. وروى وكيع بإسناده عن عليّ رضي الله عنه قال : إن جباراً من الجبابرة قال : لا انتهي حتى أعلم ما في السماء، فاتخذ أفراخ نسور، ثم أمر بها، فأطعمت اللحم حتى اشتدت، وغلظت، واستفحلت، فاتخذ تابوتاً يسع فيه رجلان، ثم أمر بالنسور، فجوعت، ثم ربط أرجلها بالأوتاد، وشدت بقوائم التابوت، وجعل في وسط التابوت اللحم، ثم جلس في التابوت، هو ورجل معه، ثم أرسل النسور، وجعل اللحم على رأس خشبة على التابوت، فطارت النسور إلى السماء ما شاء الله. ثم قال لصاحبه انظر ماذا ترى ؟ فنظر فقال : أرى الجبال كأنها الدخان. ثم سار ما شاء الله. ثم قال : انظر فنظر، فقال : ما أرى إلا السماء، وما نزداد منها إلا بعداً. قال : نكس الخشبة، فانقضت النسور، حتى سقطت إلى الأرض، فسمع هزة الجبال، فكادت الجبال أن تزول من أماكنها. ثم قرأ عليّ رضي الله عنه ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال﴾ أي : وقد كان مكرهم ليزيل الجبال عن أماكنها. ويقال : إن نمرود بن كنعان هو أول من تجبر، وقهر، وسن سنن السوء، وأول من لبس التاج، فأهلكه الله تعالى ببعوضة في خياشمه، فعذب بها أربعين يوماً ثم مات. وقال قتادة :﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال﴾ يعني : الكفار ادعوا لله تعالى ولداً. فكاد أن تزول الجبال. ويقال : يعني : أهل مكة مكروا في دار الندوة، وقد كاد مكرهم أن يزول منهم أمر النبي ﷺ، وأمر دين الإسلام. إذ ثبوته كثبوت الجبال، لأن الله تعالى وعد لنبيه ﷺ إظهار دين الإسلام بدليل ما قال بعد هذا ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾