الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ﴾ : العامَّةُ على إضافة " مُخْلِف " إلى " وعدِه " وفيها وجهان، أظهرهما : أن " مُخْلف " يَتَعَدَّى لاثنين كفعلِه، فقدَّم المفعولَ الثاني، وأُضيف إليه اسمُ الفاعل تخفيفاً نحو :" هذا كاسِيْ جُبَّةٍ زيداً " قال الفراء وقطرب :" لمَّا تعدَّى/ إليهما جميعاً لم يُبَالَ بالتقديمِ والتأخير ". وقال الزمخشري :" فإن قلت : هلا قيل : مُخْلِفَ رسلِه وعدَه، ولِمَ قَدَّم المفعولَ الثاني على الأول ؟ قلت : قَدَّمَ الوعدَ ليُعْلِمَ أنه لا يُخْلِفُ الوعدَ ثم قال " رسله " ليُؤْذِنَ أنه إذا لم يُخْلِفْ وعدَه أحداً - وليس من شأنِه إخلافُ المواعيد - كيف يُخْلِفُه رُسلَهُ ".
وقال أبو البقاء :" هو قريب من قولهم :
يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدارِ ***
وأنشد بعضُهم نظيرَ الآيةِ الكريمة قولَ الشاعر :
ترى الثورَ فيها مُدخِلَ الظلِ رأسَهُوسائرُه بادٍ إلى الشمسِ أجمعُ
والحُسبان هنا : الأمر المنتفي، كقوله :
فلا تَحسَبَنْ أني أَضِلُّ مَنِيَّتيفكلُّ امرِئٍ كأسَ الحِمام يذوقُ
الثاني : أنه متعدٍّ لواحدٍ، وهو " وعدِه "، وأمَّا " رُسُلَه " فمنصوبٌ بالمصدر، فإنه يَنْحَلُّ لحرفٍ مصدريٍّ وفعلٍ تقديرُه : مُخْلِفُ ما وعدَ رُسَلَه، ف " ما " مصدريةٌ لا بمعنى الذي.
وقرأت جماعةٌ ﴿مُخْلِفَ وَعْدَ رُسَلَهُ﴾ بنصبِ " وعدَه " وجرِّ " رسلِه " فَصْلاً بالمفعولِ بين المتضايفين، وهي كقراءةِ ابن عامرٍ ﴿قَتْلُ أَوْلاَدَهمْ شُرَكَآئِهِمْ﴾ قال الزمخشري جرأةً منه :" وهذه في الضَّعْفِ كمَنْ قرأ ﴿قَتْلُ أَوْلاَدَهمْ شُرَكَآئِهِمْ﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى