التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما سيحل بالمجرمين يوم القيامة من عذاب عنيف مهين يناسب إجرامهم وكفرهم فقال :﴿وَتَرَى المجرمين يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد. سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وتغشى وُجُوهَهُمْ النار﴾
وقوله ﴿مقرنين﴾ جمع مقرن، وهو من جمع فى قرن ووثاق واحد يربطان به.
والأصفاد : جمع صفد - بفتح الفاء - وهو القيد الذى يوضع فى الرجل، أو الغل - بضم الغين - الذى تضم به اليد والرجل إلى العنق.
والسرابيل : جمع سربال وهو القميص.
والقطران : مادة حارة نتنة شديدة الاشتعال تصلى بها جولد الإِبل الجربى، ليزول الجرب منها. أى : وترى - أيها العاقل - المجرمين فى هذا اليوم العسير عليهم ﴿مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد﴾ أى : قد قرن بعضهم مع بعض، وضم كل قرين إلى من يشبهه فى الكفر وفى الفسوق وفى العصيان، وقد قيدوا جميعا بالأصفاد واليقود والأغلال.
قال - تعالى - ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ..﴾ أى : وأمثالهم من العصاة، فعابد الصنم يكون مع عابد الصنم، وشارب الخمر مع شارب الخمر. ويصح أن يكون اقترانهم مع الشياطين كما قال - تعالى - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً﴾ هذا عن مشهد المجرمين وهم مقرنون فى الأصفاد، وهو مشهد مهين مذل ولكنه ليس كافيا.
فى عقابهم، بل يضاف إليه أن ملابسهم من قطران، ليجتمع لهم لذعته، وقبح لونه، ونتن ريحه، وسرعة اشتعاله، وفوق كل ذلك فإن وجوههم تعلوها وتحيط بها النار التى تستعر بأجسادهم المسربلة بالقطران.
وخص - سبحانه الوجوه بغشيان النار لهاه، لكونها أعز موضع فى البدن وأشرفه

تفسير هذه الآية من كتب أخرى