المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
﴿المجرمين﴾ هم الكفار، و ﴿مقرنين﴾ مربوطين في قرن، وهو الحبل الذي تشد به رؤوس الإبل والبقر، ومنه قول الشاعر :[ البسيط ].
وابن اللبون إذا ما لز في قرن. . . لم يستطع صولة البزل القناعيس(١)
و ﴿الأصفاد﴾ الأغلال، واحدها : صفد، يقال : صفده وأصفده وصفده : إذا غلله، والاسم : الصفاد، ومنه قول سلامة بن جندل :[ الوافر ]
وزيد الخيل قد لاقى صفاداً. . . يعض بساعد وبعظم ساق(٢)
وكذلك يقال في العطاء، و «الصفد » العطاء، ومنه قول النابغة.
فلم أعرض أبيت اللعن بالصفد. . . (٣).
١ البيت لجرير، قاله في (اللسان ـ لزز وقنعس)، واللبون: التي نزل اللبن في ضرعها، وابن اللبون: ولد الناقة إذا استكمل السنة الثانية ودخل في الثانية ودخل في الثالثة لأن أمه ولدت غيره فصار لها لبن ـ ولز: ألصق وشد في قرن، والقرن: الحبل الذي تربط فيه الإبل والبقر. والبزل: جمع بازل وهو البعير الذي طلع نابه، ويكون ذلك في الثامنة أو التاسعة، والقنعاس: الجمل الضخم العظيم، وهو من صفات الذكور عند أبي عبيد، والجمع: القناعس، ويقال فيها: القناعيس..
٢ هو سلامة بن عمرو، من بين تميم، فارس وشاعر مقل، والصفاد: الغل أو الوثاق يشد به الإنسان، يقول: لقد لقي زيد الخيل وثاقا يشد به شدا قويا، فكـأنما يعض من شدته على ساعديه وساقيه..
٣ هذا عجز بيت، قاله النابغة في قصيدته التي يمدح بها النعمان ويعتذر إليه عما بلغه عنه، والتي مطلعها: "يا دار مية بالعلياء فالسند"'، والبيت بتمامه:
هذا الثناء ـ فإن تسمع به ـ حسنا فلم أعرض ـ أبيت اللعن ـ بالصفد
قول الشاعر: "فإن تسمع به" جملة معترضة بين "الثناء" و "حسنا، والباء في "به" زائدة، وأصل المعنى: هذا الثناء حسنا يأتيك، أي: هذا مديحي لك، ومعنى تسمع: تقبل، يريد أن يقول: فإن تقبله مني فهو ما أريد. و "حسنا" حال من اسم الإشارة "هذا"، و "أبيت اللعن" كلمة يخاطب بها العرب ملوكهم، و معناها: أبيت أن تفعل شيئا تلعن به، فأنت لا تفعل إلا الحسن الجميل، وأعرض: أقول كلاما أكني به عن شيء يستلزمه معناه، يريد: لم أقل شيئا فيه تعريض، و "بالصفد" معناها: بالعطاء، أي: لم أقصد بمديحي أي عطاء، بل أردت رضاك فقط. و الشاهد أن الصفد جاء بمعنى العطاء. وقد روي الشطر الأول: "هذا الثناء فإن تسمع لقائله"....

تفسير هذه الآية من كتب أخرى