مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
ولما وصف نفسه سبحانه بكونه قهارا بين عجزهم وذلتهم، فقال :﴿وترى المجرمين يومئذ﴾.
واعلم أنه تعالى ذكر في صفات عجزهم وذلتهم أمورا :
فالصفة الأولى : كونهم مقرنين في الأصفاد. يقال : قرنت الشيء بالشيء إذا شددته به ووصلته. والقرآن اسم للحبل الذي يشد به شيئان. وجاء ههنا على التكثير لكثرة أولئك القوم والأصفاد جمع صفد وهو القيد.
إذا عرفت هذا فنقول : في قوله :﴿مقرنين﴾ ثلاثة أوجه : قال الكلبي : مقرنين كل كافر مع شيطان في غل، وقال عطاء : هو معنى قوله :﴿وإذا النفوس زوجت﴾ أي قرنت فيقرن الله تعالى نفوس المؤمنين بالحور العين، ونفوس الكافرين بقرنائهم من الشياطين، وأقول حظ البحث العقلي منه أن الإنسان إذا فارق الدنيا، فإما أن يكون قد راض نفسه وهذبها، ودعاها إلى معرفة الله تعالى وطاعته ومحبته، أو ما فعل ذلك، بل تركها متوغلة في اللذات الجسدانية مقبلة على الأحوال الوهمية والخيالية، فإن كان الأول فتلك النفس تفارق مع تلك البهجة بالحضرة الإلهية، والسعادة بالعناية الصمدانية، وإن كان الثاني فتلك النفس تفارق مع الأسف والحزن والبلاء الشديد، بسبب الميل إلى عالم الجسم، وهذا هو المراد بقوله :﴿وإذا النفوس زوجت﴾ وشيطان النفس الكافرة هي الملكات الباطلة، والحوادث الفاسدة، وهو المراد من قول عطاء : إن كل كافر مع شيطانه يكون مقرونا في الأصفاد.
والقول الثاني : في تفسير قوله :﴿مقرنين في الأصفاد﴾ هو قرن بعض الكفار ببعض، والمراد أن تلك النفوس الشقية والأرواح المكدرة الظلمانية، لكونها متجانسة متشاكلة ينضم بعضها إلى بعض، وتنادي ظلمة كل واحدة منها إلى الأخرى، فانحدار كل واحدة منها إلى الأخرى في تلك الظلمات، والخسارات هي المراد بقوله :﴿مقرنين في الأصفاد﴾.
والقول الثالث : قال زيد بن أرقم : قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال، وحظ العقل من ذلك أن الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل بتكرير الأفعال الصادرة من الجوارح والأعضاء، فإذا كانت تلك الملكات ظلمانية كدرة، صارت في المثال كأن أيديها وأرجلها قرنت وغلت في رقابها. وأما قوله :﴿في الأصفاد﴾ ففيه وجهان : أحدها : أن يكون ذلك متعلقا بمقرنين، والمعنى : يقربون بالأصفاد. والثاني : أن لا يكون متعلقا به، والمعنى : أنهم مقرنون مقيدون، وحظ العقل معلوم مما سلفت الإشارة إليه.
واعلم أنه تعالى ذكر في صفات عجزهم وذلتهم أمورا :
فالصفة الأولى : كونهم مقرنين في الأصفاد. يقال : قرنت الشيء بالشيء إذا شددته به ووصلته. والقرآن اسم للحبل الذي يشد به شيئان. وجاء ههنا على التكثير لكثرة أولئك القوم والأصفاد جمع صفد وهو القيد.
إذا عرفت هذا فنقول : في قوله :﴿مقرنين﴾ ثلاثة أوجه : قال الكلبي : مقرنين كل كافر مع شيطان في غل، وقال عطاء : هو معنى قوله :﴿وإذا النفوس زوجت﴾ أي قرنت فيقرن الله تعالى نفوس المؤمنين بالحور العين، ونفوس الكافرين بقرنائهم من الشياطين، وأقول حظ البحث العقلي منه أن الإنسان إذا فارق الدنيا، فإما أن يكون قد راض نفسه وهذبها، ودعاها إلى معرفة الله تعالى وطاعته ومحبته، أو ما فعل ذلك، بل تركها متوغلة في اللذات الجسدانية مقبلة على الأحوال الوهمية والخيالية، فإن كان الأول فتلك النفس تفارق مع تلك البهجة بالحضرة الإلهية، والسعادة بالعناية الصمدانية، وإن كان الثاني فتلك النفس تفارق مع الأسف والحزن والبلاء الشديد، بسبب الميل إلى عالم الجسم، وهذا هو المراد بقوله :﴿وإذا النفوس زوجت﴾ وشيطان النفس الكافرة هي الملكات الباطلة، والحوادث الفاسدة، وهو المراد من قول عطاء : إن كل كافر مع شيطانه يكون مقرونا في الأصفاد.
والقول الثاني : في تفسير قوله :﴿مقرنين في الأصفاد﴾ هو قرن بعض الكفار ببعض، والمراد أن تلك النفوس الشقية والأرواح المكدرة الظلمانية، لكونها متجانسة متشاكلة ينضم بعضها إلى بعض، وتنادي ظلمة كل واحدة منها إلى الأخرى، فانحدار كل واحدة منها إلى الأخرى في تلك الظلمات، والخسارات هي المراد بقوله :﴿مقرنين في الأصفاد﴾.
والقول الثالث : قال زيد بن أرقم : قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال، وحظ العقل من ذلك أن الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل بتكرير الأفعال الصادرة من الجوارح والأعضاء، فإذا كانت تلك الملكات ظلمانية كدرة، صارت في المثال كأن أيديها وأرجلها قرنت وغلت في رقابها. وأما قوله :﴿في الأصفاد﴾ ففيه وجهان : أحدها : أن يكون ذلك متعلقا بمقرنين، والمعنى : يقربون بالأصفاد. والثاني : أن لا يكون متعلقا به، والمعنى : أنهم مقرنون مقيدون، وحظ العقل معلوم مما سلفت الإشارة إليه.