تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( واقصد في مشيك ) يعني : أسرع في مشيك، ويقال معناه : واقصد في مشيك أي : لا تسرع في مشيتك، وفي بعض الأخبار عن النبي ﷺ قال :«سرعة المشي تذهب بهاء الوجه »(١).
وقوله :( واغضض من صوتك ) أي : لا تجهر، ومعنى اغضض أي : انقص. يقال : غض فلان من فلان أي : نقص من حقه.
وقوله :( إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) أي : أقبح الأصوات لصوت الحمير. يقال : جاءني فلان بوجه منكر أي : قبيح، فإن قال قائل : لم جعل صوت الحمار أقبح الأصوات ؟ والجواب عنه إنما جعله أقبح الأصوات، لأن أوله زفير، وآخره شهيق، والزفير والشهيق : صوت أهل النار. وعن سفيان الثوري قال : كل شيء يسبح إلا الحمار ؛ فلهذا جعل صوته أقبح الأصوات.
وذكر النقاش في تفسيره : أن أهل الجاهلية كانوا يتنافسون في شدة الصوت، وكانوا يقولون : من كان أجهر صوتا فهو أعز عند الله. وكانوا يجهرون بأصواتهم ويرفعونها بغاية الإمكان، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ومعناه : أنه ليست العزة في شدة الصوت، ولو كان من هو أشد أعز، لكان الحمار أعز من الكل. وعن جعفر بن محمد بن الصادق أنه قال في قوله تعالى :( إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) : هي العطسة القبيحة المنكرة.
ومن حكم لقمان سوى ما ذكرنا ما روي أنه قال : لا مال كصحة البدن، ولا نعيم كطيب النفس. ومن حكمه أيضا أنه قال : أدب الوالد لولده كالسماد للزرع.
وحكى عكرمة أن لقمان دخل على داود عليه السلام وهو يصنع درعا، فلم يدر ما يصنع ؛ فأراد أن يسأله، وكان ( حكَمُه ) (٢) تمنعه منه، فلما أتم داود الدرع لبسها، وقال : نعم جبة الحرب هي. فقال لقمان : الصمت حكم وقليل فاعله.
وحكى أيضا عكرمة أن مولاه خاطر قوما على شرب ماء البحر في حال سكره، فدعا لقمان وقال : لمثل هذا اليوم كنت أعدك، وذكر له القصة. فقال : اجمع القوم الذين خاطرتهم ؛ فجمعهم، فقال لهم : احبسوا مواد البحر حتى يشرب ماء البحر. فقالوا : كيف نحبس مواد البحر ؟ فقال : كيف يشرب ماء البحر ومواده غير منقطعة ؟ فخلص مولاه.
وحكى أيضا عكرمة أنه كان لمولى لقمان عبيد سواه، ولم يكن فيهم أخس منه عنده، فبعثهم إلى بستان له ليحملوا له فاكهة، فذهبوا وأكلوا الفاكهة ؛ فلما رجعوا أحالوا على لقمان أنه هو الذي أكل، وصدقهم مولاه لخسة لقمان عنده، وأراد أن يؤذيه، فقال لقمان لمولاه : إن ذا اللسانين وذا الوجهين لا يكون وجيها عند الله، فاسقني ماء حميما، واسق هؤلاء العبيد ماء حميما ؛ فسقاهم، فقاء سائر العبيد ما أكلوا من الفاكهة، وقاء هو ماء بحتا، فعرف صدقه وكذبهم.
١ - رواه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (١/٨٥)، وابن بشران في أماليه – كما في الكنز (١٥/٤١٦٢١)، والضعيفة (١/٧٢) – من حديث أنس بنحوه.
وقال الشيخ ناصر: إسناده باطل، ليس فيهم من هو معروف بالثقة باستثناء أنس طبعا.
وفي الباب عن أبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وانظر: تخريج الكشاف للزيلعي (٣/٧٥-٧٦)، والضعيفة (١/٧٠-٧٤ رقم ٥٥) وقال: منكر جدا..

٢ - في "ك": حكمته..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى