نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي

عن الكتاب
ولما كان النهي عن ذلك امراً بأضداده، وكان الأمر بإطلاق الوجه يلزم منه(١) الإنصاف في الكلام، وكان الإنصاف (٢)في الكلام(٣) والمشي لا على طريق المرح (٤)والفخر ربما(٥) دعا إلى الاستماتة في المشي والحديث أو الإسراع في المشي (٦)والسر والجهر بالصوت(٧) فوق الحد، قال محترساً في الأمر بالخلق الكريم عما يقارب(٨) الحال الذميم :﴿واقصد﴾ أي اعدل وتوسط ﴿في مشيك﴾ لا إفراط ولا تفريط مجانباً لوثب الشطار(٩) ودبيب المتماوتين(١٠)، وعن ابن مسعود : كانوا ينهون عن خبب اليهود ودبيب النصارى، والقصد في الأفعال كالقسط في الأوزان - قال الرازي في اللوامع، وهو المشي الهون الذب ليس فيه تصنع للخلق (١١)لا بتواضع ولا بتكبر(١٢) ﴿واغضض﴾ أي انقص، ولأجل ما ذكر(١٣) قال :﴿من صوتك﴾ بإثبات " من " أي لئلا يكون صوتك منكراً، وتكون برفع الصوت فوق الحاجة حماراً، وأما مع الحاجة كالأذان فهو مأمور به.
ولما كان رفع الصوت فوق العادة منكراً كما كان خفضه دونها(١٤) تماوتاً (١٥)أو دلالاً(١٦) وتكبراً، وكان قد أشار إلى النهي عن هذا ب " من " فأفهم(١٧) أن الطرفين(١٨) مذمومان، علل النهي (١٩)عن الأول(٢٠) دالاً(٢١) بصيغة " أفعل " (٢٢)على اشتراك الرفع كله في النكارة ذاكراً أعلاها تصويراً له بأقبح صورة تنفيراً(٢٣) عنه فقال :﴿إن أنكر﴾ أي أفظع وأبشع وأوحش ﴿الأصوات﴾ أي كلها(٢٤) المشتركة في النكارة برفعها فوق الحاجة، وأخلى(٢٥) الكلام عن لفظ التشبيه فأخرجه(٢٦) مخرج الاستعارة تصويراً لصوت الرافع صوته فوق الحاجة بصورة النهاق(٢٧) وجعل المصوت كذلك حماراً، مبالغة في التهجين، وتنبيهاً على أنه من كراهة الله له بمكان فقال(٢٨) :﴿لصوت الحمير﴾ (٢٩)أي هذا الجنس، لما له(٣٠) من الغلو المفرط من غير حاجة، وأوله زفير وآخره شهيق، وهما فعل أهل النار، وأفرده ليكون نصاً على إرادة الجنس لئلا يظن أن الاجتماع شرط في ذلك، و(٣١)لذكر الحمار(٣٢) مع ذلك من بلاغة الذم والشتم ما ليس لغيره، ولذلك يستهجن(٣٣) التصريح باسمه، وهذا يفهم أن الرفع مع الحاجة غير مذموم فإنه ليس بمستنكر ولا مستبشع، ولقد دعت هذه الآيات إلى معالي الأخلاق، وهي أمهات الفضائل الثلاث : الحكمة والعفة والشجاعة، وأمرت بالعدل فيها، وهي(٣٤) وظيفة التقسيط الذي هو الوسط الذي هو مجمع الفضائل، ونهت عن مساؤى الأخلاق، وهي الأطراف التي هي مبدأ الرذائل الحاصل بالإفراط والتفريط، فإقامة(٣٥) الصلاة التي هي روح العبادة المبنية على العلم هي سر الحكمة والأمر والنهي، أمر بالشجاعة ونهى عن الجبن، وفي النهي عن التصعير(٣٦) وما معه نهي عن التهور، والقصد في المشي والغض في(٣٧) الصوت أمر بالعفة ونهي عن الاستماتة والجمود والخلاعة والفجور، وفي النهي عن الاستماتة نهي عما قد يلزمها من الجربزة، وهي الفكر بالمكر المؤدي إلى اللعنة، وعن الانحطاط إلى البله والبلادة والغفلة، والكافل بشرح هذا ما قاله الشيخ سعد الدين التفتازاني في الكلام على الإجماع من تلويحه، قال : إن الخالق تعالى وتقدس قد ركب في الإنسان ثلاث قوى : إحداها(٣٨) مبدأ إدراك الحقائق، والشوق إلى النظر في العواقب، والتمييز بين المصالح والمفاسد(٣٩)، ويعبر عنها بالقوة النطقية والعقلية والنفس(٤٠) المطمئنة الملكية، والثانية مبدأ جذب(٤١) المنافع وطلب الملاذ من المآكل والمشارب وغير ذلك، وتسمى القوة الشهوية والبهيمية والنفس الأمارة، والثالثة مبدأ الإقدام على الأهوال والشوق إلى(٤٢) التسلط والترفع، وهي القوة الغضبية والسبعية والنفس اللوامة، ويحدث من اعتدال الحركة الأولى الحكمة، والثانية العفة، والثالثة الشجاعة، فأمهات الفضائل هي هذه الثلاث(٤٣)، وما سوى ذلك إنما هو(٤٤) من تفريعاتها وتركيباتها، وكل منها وكل منها محتوش بطر في إفراط وتفريط هما رذيلتان، أما
الحكمة فهي معرفة الحقائق على ما هي عليه(٤٥) بقدر الاستطاعة، وهي العلم النافع المعبر (٤٦)عنه بمعرفة(٤٧) النفس ما لها وما عليها المشار إليه بقوله تعالى :
ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً }[البقرة: ٢٦٩] وإفراطها الجربزة، وهي استعمال الفكر فيما لا ينبغي كالمتشابهات، وعلى وجه لا ينبغي، كمخالفة الشرائع - نعوذ بالله من علم لا ينفع قلت : وهي بجيم ثم مهملة ثم موحدة ثم زاي مأخوذة من الجربز - بالضم، وهو الخب، أي الخداع الخبيث - والله أعلم، وتفريطها الغباوة التي هي تعطيل القوة الفكرية بالإرداة والوقوف عن اكتساب العلوم النافعة، وأما الشجاعة فهي انقياد السبعية للناطقة ليكون إقدامها على حسب الروية من غير اضطراب في الأمور الماثلة، حتى يكون فعلها جميلاً، وصبرها محموداً، وإفراطها التهور، أي الإقدام على ما لا ينبغي، وتفريطها الجبن، أي الحذر عما لا ينبغي، وأما العفة فهي انقياد(٤٨) البهيمية للناطقة، لتكون تصرفاتها بحسب اقتضاء الناطقة، لتسلم عن استعباد(٤٩) الهوى إياها، واستخدام اللذات، وإفراطها الخلاعة والفجور، أي الوقوع في ازدياد اللذات على ما يجب، وتفريطها الجمود، أي السكوت عن طلب اللذات بقدر ما رخص فيه العقل والشرع إيثاراً لا خلقة، فالأوساط فضائل، والأطراف رذائل، وإذا امتزجت الفضائل الثلاث(٥٠) حصلت من اجتماعها حالة متشابهة هي العدالة، فبهذا الاعتبار عبر عن العدالة بالوساطة، أي في قوله تعالى :
﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾[البقرة: ١٤٣] وإليه أشير بقوله عليه الصلاة والسلام " خير الأمور أوساطها " والحكمة في النفس البهيمية بقاء البدن الذي هو مركب النفس الناطقة ليصل إلى كمالها اللائق بها، ومقصدها المتوجه(٥١) إليه، وفي السبعية كسر البهيمية وقهرها(٥٢) ودفع الفساد المتوقع من استيلائها، و(٥٣)اشترط التوسط(٥٤) في أفعالها لئلا تستعبد الناطقة (٥٥)هواهما وتصرفاها(٥٦) عن كمالها ومقصدها - انتهى.
١ زيد من ظ وم ومد..
٢ سقط ما بين الرقمين من ظ..
٣ سقط ما بين الرقمين من ظ..
٤ من ظ وم ومد، وفي الأصل: الفخور مما..
٥ من ظ وم ومد، وفي الأصل: الفخور مما..
٦ من ظ وم ومد، وفي الأصل: الشد والجهد بالقوت..
٧ من ظ وم ومد، وفي الأصل: الشد والجهد بالقوت..
٨ في ظ: قارب..
٩ في ظ ومد: الشيطان..
١٠ من مد، وفي الأصل وظ وم: المتمارتين..
١١ من ظ وم ومد، وفي الأصل: تواضع ولا تكبر..
١٢ من ظ وم ومد، وفي الأصل: تواضع ولا تكبر..
١٣ في ظ: ذكره..
١٤ من ظ وم ومد، وفي الأصل: دونهما..
١٥ من ظ وم ومد، وفي الأصل: وإذلالا..
١٦ من ظ وم ومد، وفي الأصل: وإذلالا..
١٧ من ظ وم ومد، وفي الأصل: أفهم..
١٨ من ظ وم ومد، وفي الأصل: الطريقين..
١٩ من ظ وم ومد، وفي الأصل: أولا..
٢٠ من ظ وم ومد، وفي الأصل: أولا..
٢١ في ظ: وأتى..
٢٢ زيد في ظ: تنبيها..
٢٣ من ظ وم ومد، وفي الأصل: تغيرا..
٢٤ زيد من ظ وم ومد..
٢٥ من ظ وم ومد، وفي الأصل: أنحلى..
٢٦ في ظ ومد: وأخرجه..
٢٧ من ظ وم ومد، وفي الأصل: النفاق..
٢٨ زيد من ظ وم ومد..
٢٩ في ظ ومد: لما له أي هذا الجنس..
٣٠ في ظ ومد: لما له أي هذا الجنس..
٣١ في ظ: ذكر الحمير..
٣٢ في ظ: ذكر الحمير..
٣٣ في الأصل بياض ملأناه من ظ وم ومد..
٣٤ في مد: هو..
٣٥ في ظ: وإقامة..
٣٦ من ظ وم ومد، وفي الأصل: الصغير..
٣٧ زيد من ظ..
٣٨ من م ومد، وفي الأصل وظ: أحدها..
٣٩ من ظ وم ومد، وفي الأصل: الصالح والفاسد..
٤٠ من ظ وم ومد، وفي الأصل: العر ـ كذا..
٤١ من ظ وم ومد، وفي الأصل: جلب..
٤٢ زيد في الأصل: التوصل و، ولم تكن الزيادة في ظ وم ومد فحذفناها..
٤٣ في ظ وم ومد: الثلاثة..
٤٤ من ظ ومد، وفي الأصل وم: هي..
٤٥ زيد من م ومد..
٤٦ في ظ: عن معرفة..
٤٧ في ظ: عن معرفة..
٤٨ زيد من ظ وم ومد..
٤٩ من م، وفي الأصل وظ ومد: استبعاد..
٥٠ في كل النسخ: الثلاثة..
٥١ من ظ وم ومد، وفي الأصل: التوجه..
٥٢ في ظ: فترها..
٥٣ من ظ وم ومد، وفي الأصل: اشتراط المتوسط..
٥٤ من ظ وم ومد، وفي الأصل: اشتراط المتوسط..
٥٥ من م ومد، وفي الأصل وظ: هواها وتصرفاتها..
٥٦ من م ومد، وفي الأصل وظ: هواها وتصرفاتها..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى