كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني
عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾؛ أي تَوَاضَع ولا تتبختَر، وليكن مشيُكَ قَصْداً لا تبختُراً ولا إسراعاً. قال صلى الله عليه وسلم:" سُرْعَةُ الْمَشْيِ تَذْهَبُ بَهَاءَ الْمُؤْمِنِ "يقالُ: قَصَدَ فلانٌ في مشيتهِ إذا مشَى مُستوِياً، وقال مقاتلُ: (لاَ تَخْتَلْ فِي مِشْيَتِكَ)، وقال عطاءُ: (قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أيْ امْشِ بالْوَقَارِ وَالسَّكِيْنَةِ) كقولهِ تعالى:﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ﴾[الفرقان: ٦٣]، والمعنى: اقصِدْ في الْمَشْيِ، لا تعجَلْ ولا تَمشِ بالْهُوَيْنَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾؛ أي اخفِضْ صوتَكَ ولا ترفعْهُ على وجهِ انتهار النَّاس وإظهار الاستخفافِ بهم، وقال عطاءُ: (مَعْنَاهُ: اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إذَا دَعَوْتَ وَنَاجَيْتَ رَبَّكَ)، وكذلك وصيَّةُ الله تعالى في الإنجيلِ لعِيسَى عليه السلام: مُرْ عِبَادِي يَخْفِضُوا أصْوَاتَهُم إذا دَعَونِي، فإنِّي أسمعُ وأعلَمُ ما في قلوبهم. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾؛ أي أقبحُ الأصواتِ صوتُ الحميرِ؛ لأن أوَّلَهُ زفيرٌ وآخرهُ شهيقٌ. قال ابن زيدٍ: (لَوْ كَانَ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ خَيْراً مَا جَعَلَهُ اللهُ لِلْحَمِيْرِ)، وعن أُمِّ سعدٍ قالت: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:" إنَّ اللهَ تَعَالَى يَبْغَضُ ثَلاَثَةَ أصْوَاتٍ: نَهِيْقُ الْحِمَار، وَنُبَاحُ الْكَلْب، وَالدَّاعِيَةُ بالْوَيْلِ وَالْحَرْب "وقال سُفيان: (صِيَاحُ كُلِّ شَيْءٍ تَسْبيحُهُ اللهَ إلاَّ الْحِمَارُ فَإنَّهُ يَنْهَقُ بلاَ فَائِدَةٍ).