جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مّوْجٌ كَالظّلَلِ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرّ فَمِنْهُمْ مّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بآياتنا إِلاّ كُلّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾.
يقول تعالى ذكره : وإذا غشى هؤلاء الذين يدعون من دون الله الآلهة والأوثان في البحر، إذا ركبوا في الفُلك، موج كالظّل، وهي جمع ظُلّة، شبّه بها الموج في شدة سواد كثرة الماء قال نابغة بني جعدة في صفة بحر :
يُماشِيهِنّ أخْضَرُ ذُو ظِلالٍعَلى حافاتِهِ فِلَق الدّنانِ
وشبه الموج وهو واحد بالظلل، وهي جماع، لأن الموج يأتي شيء منه بعد شيء، ويركب بعضه بعضا كهيئة الظلل. وقوله : دَعَوُا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ يقول تعالى ذكره : وإذا غشى هؤلاء موج كالظلل، فخافوا الغرق، فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له الطاعة، لا يشركون به هنالك شيئا، ولا يدعون معه أحدا سواه، ولا يستغيثون بغيره. قوله : فَلَمّا نَجّاهُمْ إلى البَرّ مما كانوا يخافونه في البحر من الغرق والهلاك إلى البرّ. فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ يقول : فمنهم مقتصد في قوله وإقراره بربه، وهو مع ذلك مضمر الكفر به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ قال : المقتصد في القول وهو كافر.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله فَمِنْهُمْ مُقْتَصدٌ قال : المقتصد الذي على صلاح من الأمر.
وقوله : وَما يَجْحَدُ بآياتِنا إلاّ كُلّ خَتّارٍ كَفُورٍ يقول تعالى ذكره : وما يكفر بأدلتنا وحججنا إلاّ كلّ غدّار بعهده، والختر عند العرب : أقبح الغدر ومنه قول عمرو بن معدي كرب :
وَإنّكَ لَوْ رأيْتَ أبا عُمَيْرٍمَلأْتَ يَدَيْكَ مِنْ غَدْرٍ وَخَتْرِ
وقوله : كَفُورٌ يعني : جحودا للنّعم، غير شاكر ما أسدى إليه من نعمة. وبنحو الذي قلنا في معنى الختار قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد كُلّ خَتّارٍ كَفُورٍ قال : كلّ غدّار.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله كُلّ خَتّارٍ قال : غدّار.
حدثني يعقوب وابن وكيع، قالا : حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله وَما يَجْحَدُ بآياتِنا إلاّ كُلّ خَتّارٍ كَفُورٍ قال : غدّار.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة قوله وَما يَجْحَدُ بآياتِنا إلاّ كُلّ خَتّارٍ كَفُورٍ الختار : الغدار، كلّ غدار بذمته كفور بربه.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله وَما يَجْحَدُ بآياتِنا إلاّ كُلّ خَتّارٍ كَفُورٍ قال : كلّ جحاد كفور.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله وَما يَجْحَدُ بآياتِنا إلاّ كُلّ خَتّارٍ كَفُورٍ قال : الختار : الغدّار، كما تقول : غدرني.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن مسعر، قال : سمعت قَتادة قال : الذي يغدر بعهده.
قال : ثنا المحاربي، عن جُوَيبر، عن الضحاك، قال : الغدّار.
قال : ثنا أبي : عن الأعمش، عن سمر بن عطية الكاهلي، عن عليّ رضي الله عنه قال : المكر غدر، والغدر كفر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى