التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وقوله :﴿فاتخذت مِن دُونِهِم حِجَاباً﴾ تأكيد لانتباذها من أهلها، واعتزالها إياهم.
أى : اذكر وقت أن اعتزلت أهلها. فى مكان يلى شرق بيت المقدس، فاتخذت بينها وبينهم حجابا وساتراً للتفرغ لعبادة ربها.
ثم بين - سبحانه - ما أكرمها به فى حال خلوتها فقال :﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً﴾.
أى : فأرسلنا إليها روحنا وهو جبريل - عليه السلام - فتشبه لها فى صورة بشر سوى معتدل الهيئة، كامل البنية، كأحسن ما يكون الإنسان.
يقال : رجل سوى، إذا كان تام الخلقة عظيم الخلق، لا يعيبه فى شأن من شئونه إفراد أو تفريط.
والإضافة فى قوله ﴿رُوحَنَا﴾ للتشريف والتكريم، وسمى جبريل - عليه السلام - روحاً لمشابهة الروح الحقيقية فى أن كلا منهما مادة الحياة للبشر.
فجبريل من حيث ما يحمل من الرسالة ألإلهية تحيا ب القلوب، والروح تحيا به الأجسام.
وإنما تمثل لها جبريل - عليه السلام - فى صورة بشرى سوى، لتستأنس بكلامه، وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلماته، ولو بدا لها فى صورته التى خلقه الله - تعالى - عليها. لنفرت منه، ولم تستطع مكالمته.
وقوله :﴿بَشَراً سَوِيّاً﴾ حالان من ضمير الفاعل فى قوله ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى