فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿كهيعص﴾ قرأ أبو جعفر هذه الحروف مقطعة، ووصلها الباقون، وأمال أبو عمرو الهاء وفتح الياء، وعكس ذلك ابن عامر وحمزة، وأمالهما جميعاً الكسائي وأبو بكر وخلف، وقرأهما بين اللفظين أهل المدينة وفتحهما الباقون. وعن خارجة أن الحسن كان يضم كاف، وحكي عن غيره أنه كان يضم «ها ». وقال أبو حاتم : لا يجوز ضمّ الكاف ولا الهاء ولا الياء. قال النحاس : قراءة أهل المدينة من أحسن ما في هذا، والإمالة جائزة في «ها » وفي «يا » وقد اعترض على قراءة الحسن جماعة. وقيل في تأويلها : أنه كان يشمّ الرفع فقط. وأظهر الدال من هجاء «صاد » نافع وأبو جعفر وابن كثير وعاصم ويعقوب، وهو اختيار أبي عبيد وأدغمها الباقون. وقد قيل في توجيه هذه القراءات : أن التفخيم هو الأصل، والإمالة فرع عنه، فمن قرأ بتفخيم الهاء والياء فقد عمل بالأصل، ومن أمالهما فقد عمل بالفرع، ومن أمال أحدهما وفخم الآخر فقد عمل بالأمرين، وقد تقدم الكلام في هذه الحروف الواقعة في فواتح السورة مستوفى في أوائل سورة البقرة، ومحل هذه الفاتحة إن جعلت اسماً للسورة على ما عليه الأكثر الرفع على أنها مبتدأ خبرها ما بعدها، قاله الفراء. واعترضه الزجاج فقال : هذا محال لأن ﴿كهيعص﴾ ليس هو مما أنبأنا الله عزّ وجلّ به عن زكريا، وقد أخبر الله تبارك وتعالى عنه وعما بشر به، وليس ﴿كهيعص﴾ من قصته، أو على أنها خبر مبتدأ محذوف، وإن جعلت مسرودة على نمط التعديد. فقوله :﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبّكَ﴾ خبر لمبتدأ محذوف أي : هذا ذكر رحمة ربك وقيل : هو مبتدأ خبره محذوف أي : فيما يتلى عليك ذكر رحمة ربك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله :﴿كهيعص﴾ كبير هاد أمين عزيز صادق، وفي لفظ : كاف بدل كبير. وأخرج عبد الرزاق وآدم بن أبي إياس، وعثمان بن سعيد الدارمي في التوحيد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس :﴿كهيعص﴾ قال : كاف من كريم، وهاء من هاد، وياء من حكيم، وعين من عليم، وصاد من صادق. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس : من الصحابة ﴿كهيعص﴾ هو الهجاء المقطع، الكاف من الملك، والهاء من الله، والياء والعين من العزيز، والصاد من المصوّر. وأخرج ابن مردويه عن الكلبي أنه سئل عن ﴿كهيعص﴾ فحدّث عن أبي صالح عن أمّ هانئ، عن رسول الله ﷺ قال :( كاف هاد عالم صادق ). وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي وابن ماجه وابن جرير عن فاطمة ابنة عليّ قالت : كان علي يقول : يا كهيعص اغفر لي. وأخرج أبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في :﴿كهيعص﴾ قال : الكاف الكافي، والهاء الهادي، والعين العالم، والصاد الصادق. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن السدّي قال : كان ابن عباس يقول في كهيعص وحم ويس وأشباه هذا : هو اسم الله الأعظم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله. وكما وقع الخلاف في هذا وأمثاله بين الصحابة وقع بين من بعدهم ولم يصح مرفوعاً في ذلك شيء، ومن روي عنه من الصحابة في ذلك شيء فقد روي عن غيره ما يخالفه، وقد يروى عن الصحابي نفسه التفاسير المتخالفة المتناقضة في هذه الفواتح فلا يقوم شيء من ذلك حجة، بل الحق الوقف، وردّ العلم في مثلها إلى الله سبحانه، وقد قدّمنا تحقيق هذا في فاتحة سورة البقرة. وأخرج أحمد وأبو يعلى، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال :«كان زكريا نجاراً» وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال : كان آخر أنبياء بني إسرائيل زكريا بن أزر بن مسلم من ذرية يعقوب دعا ربه سرّاً ﴿قَالَ رَبّ إِنّي وَهَنَ العظم مِنّي﴾ إلى قوله :﴿خِفْتُ الموالي﴾ قال : وهم العصبة ﴿يَرِثُنِي﴾ يرث نبوّتي ونبوّة آل يعقوب، فنادته الملائكة، وهو جبريل : إن الله يبشرك ﴿بغلام اسمه يحيى﴾ فلما سمع النداء جاءه الشيطان فقال : يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس من الله إنما هو من الشيطان سخر بك، فشك وقال :﴿أنى يَكُونُ لِي غلام﴾ يقول : من أين يكون وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر، قال الله :﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾. وأخرج الفريابي عنه قال : كان زكريا لا يولد له فسأل ربه فقال :﴿رب هَبْ لِي مِن لَدُنكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ آل يَعْقُوبَ﴾ قال : يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوّة. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله :﴿لَمْ نَجْعَل لهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾ قال : مثلاً. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه قال : لا أدري كيف كان رسول الله ﷺ يقرأ هذا الحرف عتياً أو عسياً. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله :﴿عِتِيّاً﴾ قال : لبث زماناً في الكبر. وأخرج أيضاً عن السدّي قال : هرماً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله :﴿أَلا تُكَلّمَ الناس ثلاث لَيَالٍ سَوِيّاً﴾ قال : اعتقل لسانه من غير مرض، وفي لفظ من غير خرس، أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً :﴿فأوحى إِلَيْهِمْ﴾ قال : كتب لهم كتاباً. وأخرج ابن أبي الدنيا، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله :﴿أَن سَبّحُوا﴾ قال : أمرهم بالصلاة ﴿بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى