السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني
عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿فحملته﴾ فيه حذف تقديره فنفخنا فيها فحملته دل على ذلك قوله تعالى في سورة التحريم :﴿ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا﴾ [ التحريم، ١٢ ]، واختلف في النافخ فقال بعضهم : كان النفخ من اللّه تعالى لهذه الآية ولأنه تعالى قال :﴿إن مثل عيسى عند اللّه كمثل آدم﴾ [ آل عمران، ٥٩ ] ومقتضى التشبيه حصول المشابهة إلا فيما أخرجه الدليل، وفي حق آدم النافخ هو اللّه تعالى قال تعالى :﴿ونفخت فيه من روحي﴾ [ الحجر، ٢٩ ] فكذا هاهنا، وقال بعضهم : النافخ جبريل لأن الظاهر من قول جبريل عليه السلام :﴿لأهب لك﴾ على أحد القراءتين أنه النافخ، واختلف في كيفية نفخه فقيل : إن جبريل عليه السلام رفع درعها فنفخ في جيبها فحملت حين لبسته، وقيل : مدّ إلى جيب درعها أصابعه ونفخ في الجيب، وقيل : نفخ في كمّ قميصها، وقيل : في فيها، وقيل : نفخ جبريل نفخاً من بعيد فوصل النفخ إليها فحملت بعيسى في الحال، وقيل : نفخ في ذيلها فدخلت النفخة في صدرها فحملت فجاءت أختها امرأة زكريا تزورها فلما التزمتها عرفت أنها حبلى وذكرت مريم حالها فقالت امرأة زكريا : إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله تعالى :﴿مصدقاً بكلمة من اللّه﴾ [ آل عمران، ٣٩ ] وقيل : حملت وهي بنت ثلاث عشرة سنة، وقيل : بنت عشرين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل، قال الرازي : وليس في القرآن ما يدل على شيء من هذه الأقوال المذكورة. ثم عقب بالحمل قوله :﴿فانتبذت به﴾ أي : فاعتزلت به وهو في بطنها حالة ﴿مكاناً قصياً﴾ أي : بعيداً من أهلها أو من المكان الشرقي.