الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿مِن تَحْتِهَآ﴾ : قرأ الأخَوَان ونافع وحفص بكسر ميم " مِنْ "، وجَرَّ " تحتِها " على الجار والمجرور. والباقون بفتحها ونصب " تحتَها ". فالقراءةُ الأولى تقتضي أن يكونَ الفاعلُ في " نادَى " مضمراً وفيه تأويلان، أحدهما : هو جبريل ومعنى كونِه ﴿مِن تَحْتِهَآ﴾ أنه في مكانٍ أسفلَ منها. ويَدُل على ذلك قراءةُ ابنِ عباس " فناداها مَلَكٌ مِنْ تحتها : فَصَرَّح به. و ﴿مِن تَحْتِهَآ﴾ على هذا فيه وجهان أحدهما : أنه متعلقٌ بالنداء، أي : جاء النداء مِنْ هذه الجهةِ. والثاني : أنه حالٌ من الفاعل، أي : فناداها وهو تحتَها.
وثاني التأويلين : أنَّ الضمير لعيسى، أي : فناداها المولودُ مِنْ تحت ذَيْلها. والجارُّ فيه الوجهان : مِنْ كونِه متعلِّقاً بالنداء، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ. والثاني أوضح.
والقراءةُ الثانية : تكون فيها " مَنْ " موصولةً، والظرفُ صلتُها، والمرادُ بالموصولِ : إمَّا جبريلُ، وإمَّا عيسى.
قوله :﴿أَلاَّ تَحْزَنِي﴾ يجوزُ في " أَنْ " أَنْ تكونَ مفسرةً لتقدُّمِها ما هو بمعنى القول، و " لا " على هذا ناهيةٌ، وحَذْفُ النونِ للجزم ؛ وأَنْ تكونَ الناصبةَ و " لا " حينئذٍ نافيةٌ، وحَذْفُ النونِ للنصبِ. ومَحَلُّ " أنْ " : إمَّا نصب أو جرٌّ لأنها على حَذْفِ حرفِ الجر، أي : فناداها بكذا. والضمير في " تحتها " : إمَّا لمريمَ عليها السلام، وإمَّا للنخلةِ، والأولُ أَوْلَى لتوافُقِ الضميرين.
قوله :" سَرِيَّا " يجوز أَنْ يكونَ مفعولاً أولَ، و " تحتك " مفعولٌ ثان لأنها بمعنى صَيَّر. ويجوز أن تكون بمعنى خَلَق، فتكون " تحتك " لغواً.
والسَّرِيُّ فيه قولان، أحدهما : أنه الرجلُ المرتفعُ القَدْرِ، مِنْ سَرُوَ يَسْرُو كشَرُف يَشْرُف، فهو سَرِيٌّ. وأصله سَرِيْوٌ، فأُعِلَّ إعلالَ سَيِّد، فلامُه واوٌ. والمرادُ به في الآية عيسى بن مريم عليه السلام، ويُجْمع " سَرِيُّ " على " سَراة " بفتح السين، وسُرَواء كظُرَفاء، وهما جمعان شاذَّان، بل قياسُ جَمْعِه " أَسْرِياء "، كغنِيِّ وأَغْنِياء. وقيل : السَّرِيُّ : مِنْ سَرَوْتُ الثوبَ، أي : نَزَعْتُه، وسَرَوْتُ الجُلَّ عن الفَرَس، أي : نَزَعْتُه. كأنَّ السَّرِيَّ سَرَى ثوبَه، بخلاف المُدَّثِّر والمُتَزَمِّل. قاله الراغب.
والثاني : أنه النهرُ الصغير، ويناسِبُه " فكُلي واشربي " واشتقاقه مِنْ سَرَى يَسْرِي، لأن الماءَ يَسْري فيه، فلامُه على هذا ياء، وأنشدوا للبيد :
فتوسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ فَصَدَّعامَسْجورةً مُتَجاوِزاً قُلاَّمُها

تفسير هذه الآية من كتب أخرى