جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والعراق فَنادَاها مِنْ تَحْتِها بمعنى : فناداها جبرائيل من بين يديها على اختلاف منهم في تأويله فمن متأوّل منهم إذا قرأه مِنْ تحْتِها كذلك ومن متأوّل منهم أنه عيسى، وأنه ناداها من تحتها بعد ما ولدته. وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل الكوفة والبصرة :«فَنادَاها مِنْ تَحْتِها » بفتح التاءين من تحت، بمعنى : فناداها الذي تحتها، على أن الذي تحتها عيسى، وأنه الذي نادى أمه. ذكر من قال : الذي ناداها من تحتها المَلَك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا عبد المؤمن، قال : سمعت ابن عباس قرأ : فَنادَاها مِنْ تَحْتِها يعني : جبرائيل.
حدثني أحمد بن عبد الله أحمد بن يونس، قال : أخبرنا عبَثر، قال : حدثنا حصين، عن عمرو بن ميمون الأَوْديّ، قال : الذي ناداها الملك.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، أنه قرأ : فخاطبها من تحتها.
حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال : حدثنا يحيى، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة. أنه قرأ : فخاطبها من تحتها.
حدثنا الرفاعي، قال : حدثنا وكيع، عن أبيه، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأها كذلك.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو عامر، قال : حدثنا سفيان، عن جويبر، عن الضحاك فَنادَاها مِنْ تَحْتِها قال : جبرائيل.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة فَنادَاها مِنْ تَحْتِها : أي من تحت النخلة.
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ فَنادَاها جبرائيل مِنْ تَحْتِها أنْ لا تَحْزَنِي.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله فَنادَاها مِنْ تَحْتِها قال : المَلَك.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله فَنادَاها مِنْ تَحْتِها يعني : جبرائيل كان أسفل منها.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، فَنادَاها مِنْ تَحْتِها قال : ناداها جبرائيل ولم يتكلم عيسى حتى أتت قومها.
ذكر من قال : ناداها عيسى ﷺ :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : فَنادَاها مِنْ تَحْتِها قال : عيسى بن مريم.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو عامر، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن فَنادَاها مِنْ تَحْتِها ابنها.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قال : قال الحسن : هو ابنها.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه فَنادَاها عيسى مِنْ تَحْتِها أنْ لا تَحْزَنِي.
حدثني أبو حميد أحمد بن المغيرة الحمصي، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، قال : حدثنا محمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان، عن سعيد بن جبير، قوله فَنادَاها مِنْ تَحْتِها قال عيسى : أما تسمع الله يقول : فأشارَتْ إلَيْهِ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد فَنادَاها مِنْ تَحْتِها قال : عيسى ناداها : أنْ لا تَحْزَنِي قَدْ جَعل رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا.
حُدثت عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحيّ، عن أبيّ بن كعب قال : الذي خاطبها هو الذي حملته في جوفها ودخل من فيها.
قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك عندنا قول من قال : الذي ناداها ابنها عيسى، وذلك أنه من كناية ذكره أقرب منه من ذكر جبرائيل، فردّه على الذي هو أقرب إليه أولى من ردّه على الذي هو أبعد منه، ألا ترى في سياق قوله فحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانا قَصِيّا يعني به : فحملت عيسى فانتبذت به، ثم قيل : فناداها نسقا على ذلك من ذكر عيسى والخبر عنه. ولعلة أخرى، وهي قوله : فأشارَتْ إلَيْهِ ولم تشر إليه إن شاء الله إلا وقد علمت أنه ناطق في حاله تلك، وللذي كانت قد عرفت ووثقت به منه بمخاطبته إياها بقوله لها : أنْ لا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا وما أخبر الله عنه أنه قال لها أشيري للقوم إليه، ولو كان ذلك قولاً من جبرائيل، لكان خليقا أن يكون في ظاهر الخبر، مبينا أن عيسى سينطق، ويحتجّ عنها للقوم، وأمر منه لها بأن تشير إليه للقوم إذا سألوها عن حالها وحاله.
فإذا كان ذلك هو الصواب من التأويل الذي بيّنا، فبين أن كلتا القراءتين، أعني مِنْ تَحْتِها بالكسر، و«مَنْ تَحْتَها » بالفتح صواب. وذلك أنه إذا قرىء بالكسر كان في قوله فَنادَاها ذكر من عيسى : وإذا قرىء مِنْ تَحْتِها بالفتح كان الفعل لمن وهو عيسى. فتأويل الكلام إذن : فناداها المولد من تحتها أن لا تحزني يا أمه قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله فَنادَاها مِنْ تَحْتِها أنْ لا تَحْزَنِي قالت : وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج فأقول ومن زوج، ولا مملوكة فأقول من سيدي، أيّ شيء عذري عند الناس يا لَيْتَنِي مِتّ قَبْلَ هَذَا وكُنْتُ نَسْيا مَنْسِيّا فقال لها عيسى : أنا أكفيك الكلام.
واختلف أهل التأويل في المعنيّ بالسريّ في هذا الموضع، فقال بعضهم : عني به : النهر الصغير. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا قال : الجدول.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال : سمعت البراء يقول في هذه الآية قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا قال : الجدول.
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا وهو نهر عيسى.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا قال : السريّ : النهر الذي كان تحت مريم حين ولدته كان يجري يسمى سَريا.
حدثني أبو حصين، قال : حدثنا عبثر، قال : حدثنا حصين، عن عمرو بن ميمون الأَوْدِيّ، قال في هذه الاَية : قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا قال : السريّ : نهر يُشرب منه.
حدثنا يعقوب وأبو كريب، قالا : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حصين، عن عمرو بن ميمون، في قوله : قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا قال : هو الجدول.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد سَرِيّا قال : نهر بالسريانية.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، قال ابن جريج : نهر إلى جنبها.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا أبو داود، قال : حدثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، في قوله قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا قال : كان سريا فقال حميد بن عبد الرحمن : إن السريّ : الجدول، فقال : غلبتنا عليك الأمراء.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا قال : هو الجدول، النهر الصغير، وهو بالنبطية : السريّ.
حدثني أبو حميد الحمصي، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، قال : حدثنا محمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان قال : سألت سعيد بن جبير، عن السريّ، قال : نهر.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال : النهر الصغير.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، أنه قال : هو النهر الصغير : يعني الجدول، يعني قوله قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك، قال : جدول صغير بالسريانية.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله تَحْتَكِ سَرِيّا : الجدول الصغير من الأنهار.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا والسريّ : هو الجدول، تسميه أهل الحجاز.
حدثنا الحسن، قال : حدثنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، في قوله سَرِيّا قال : هو جدول.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم وعن وهب بن منبه قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا يعني ربيع الماء.
حدثنا موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا والسريّ : هو النهر.
وقال آخرون : عنى به عيسى. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا والسريّ : عيسى نفسه.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا يعني نفسه، قال : وأيّ شيء أسرى منه، قال : والذين يقولون : السريّ : هو النهر ليس كذلك النهر، لو كان النهر لكان إنما يكون إلى جنبها، ولا يكون النهر تحتها.
قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قيل من قال : عنى به الجدول، وذلك أنه أعلمها ما قد أعطاها الله من الماء الذي جعله عندها، وقال لها وَهُزّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبا جَنِيّا فَكُلِي من هذا الرطب وَاشْرَبِي من هذا الماء وَقَرّي عَيْنا بولدك، والسريّ معروف من كلام العرب أنه النهر الصغير ومنه قول لبيد :
| فَتَوَسّطا عُرْضَ السّرِيّ وَصَدّعا | مَسْجُورَةً مُتَجاوِرا قُلاّمُها |
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء الخراساني عن ابن عباس، قوله: (يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) لم أخلق، ولم أك شيئا.
حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) يقول: نِسيا: نُسي ذكري، ومنسيا: تقول: نسي أثري، فلا يرى لي أثر ولا عين.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) : أي شيئا لا يعرف ولا يذكر.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله (وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) قال: لا أعرف ولا يدرى من أنا.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس (نَسْيًا مَنْسِيًّا) قال: هو السقط.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) لم أكن في الأرض شيئًا قط.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والعراق (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) بمعنى: فناداها جبرائيل من بين يديها على اختلاف منهم في تأويله; فمن متأوّل منهم إذا قرأه (مِنْ تَحْتِهَا) كذلك; ومن متأوّل منهم أنه عيسى، وأنه ناداها من تحتها بعد ما ولدته. وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل الكوفة والبصرة (فَنَادَاها مَنْ تَحْتَها) وبفتح التاءين من تحت، بمعنى: فناداها الذي تحتها، على أن الذي تحتها عيسى، وأنه الذي نادى أمه.
* ذكر من قال: الذي ناداها من تحتها المَلَك، حدثنا ابن حميد، قال:
حدثني أحمد بن عبد الله أحمد بن يونس، قال: أخبرنا عَبثر، قال: ثنا حصين، عن عمرو بن ميمون الأوْديّ، قال: الذي ناداها الملك.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، أنه قرأ: فخاطبها من تحتها.
حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأ: فخاطبها من تحتها.
حدثنا الرفاعي، قال: ثنا وكيع، عن أبيه، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأها كذلك.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن جويبر، عن الضحاك (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) قال: جبرائيل.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) : أي من تحت النخلة.
حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (فَنَادَاهَا) جبرائيل (مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي).
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) قال: المَلَك.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) يعني: جبرائيل كان أسفل منها.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) قال: ناداها جبرائيل ولم يتكلم عيسى حتى أتت قومها.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) ابنها.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: قال الحسن: هو ابنها.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه (فَنَادَاهَا) عيسى (مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي).
حدثني أبو حميد أحمد بن المغيرة الحمصي، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا محمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان، عن سعيد بن جبير، قوله (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) قال عيسى: أما تسمع الله يقول (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) قال: عيسى; ناداها (مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا).
حُدثت عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحيّ، عن أبيّ بن كعب قال: الذي خاطبها هو الذي حملته في جوفها ودخل من فيها.
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندنا قول من قال: الذي ناداها ابنها عيسى، وذلك أنه من كناية ذكره أقرب منه من ذكر جبرائيل، فردّه على الذي هو أقرب إليه أولى من ردّه على الذي هو أبعد منه. ألا ترى في سياق
فإذا كان ذلك هو الصواب من التأويل الذي بينا، فبين أن كلتا القراءتين، أعني (مِنْ تَحْتِهَا) بالكسر، (وَمَنْ تَحْتَها) بالفتح صواب. وذلك أنه إذا قرئ بالكسر كان في قوله (فَنَادَاهَا) ذكر من عيسى: وإذا قرئ (مَنْ تَحْتَها) بالفتح كان الفعل لمن وهو عيسى. فتأويل الكلام إذن: فناداها المولود من تحتها أن لا تحزني يا أمه (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا).
كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي) قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج فأقول من زوج، ولا مملوكة فأقول من سيدي، أي شيء عذري عند الناس (يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام.
واختلف أهل التأويل في المعنيّ بالسريّ في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني به: النهر الصغير.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) قال: الجدول.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول في هذه الآية (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) قال: الجدول.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) قال: السريّ: النهر الذي كان تحت مريم حين ولدته كان يجري يسمى سَرِيا.
حدثني أبو حصين، قال: ثنا عَبثر، قال: ثنا حصين، عن عمرو بن ميمون الأوْدِيّ، قال في هذه الآية (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) قال: السريّ: نهر يُشرب منه.
حدثنا يعقوب وأبو كريب، قالا ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عمرو بن ميمون، في قوله: (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) قال: هو الجدول.
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (سَرِيًّا) قال: نهر بالسريانية.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، قال ابن جريج: نهر إلى جنبها.
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، في قوله (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) قال: كان سريا فقال حميد بن عبد الرحمن: إن السريّ: الجدول، فقال: غلبتنا عليك الأمراء.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) قال: هو الجدول، النهر الصغير، وهو بالنبطية: السريّ.
حدثني أبو حميد الحمصي، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا محمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان قال: سألت سعيد بن جبير، عن السريّ، قال: نهر.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: النهر الصغير.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك، قال: جدول صغير بالسريانية.
حدثنا عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (تَحْتَكِ سَرِيًّا) الجدول الصغير من الأنهار.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) والسريّ: هو الجدول، تسميه أهل الحجاز.
حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، في قوله (سَرِيًّا) قال: هو جدول.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم وعن وهب بن منبه (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) يعني ربيع الماء.
- حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) والسريّ: هو النهر.
وقال آخرون: عنى به عيسى.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) والسريّ: عيسى نفسه.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) يعني نفسه، قال: وأيّ شيء أسرى منه، قال: والذين يقولون: السريّ: هو النهر ليس كذلك النهر، لو كان النهر لكان إنما يكون إلى جنبها، ولا يكون النهر تحتها.
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قيل من قال: عنى به الجدول، وذلك أنه أعلمها ما قد أتاها الله من الماء الذي جعله عندها، وقال لها (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي) من هذا الرطب (وَاشْرَبي) من هذا الماء (وَقَرِّي عَيْنًا) بولدك، والسريّ معروف من كلام العرب أنه النهر الصغير; ومنه قول لبيد:
| فَتَوَسَّطا عُرْضَ السَّريّ وَصَدَّعا | مَسْجُورَةٌ مُتَجاوِرًا قُلامُها (١) |
قوله (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) ذكر أن الجذع كان جذعًا يابسًا، وأمرها أن تهزّه، وذلك في أيام الشتاء، وهزّها إياه كان تحريكه.
كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) قال: حركيها.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) قال: كان جذعًا يابسًا، فقال لها: هزّيه (تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نهيك يقول: كانت نخلة يابسة.
حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يقول في قوله: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) فكان الرطب يتساقط عليها وذلك في الشتاء.
حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) وكان جذعا منها مقطوعا فهزّته، فإذا هو نخلة، وأجري لها في المحراب نهر، فتساقطت النخلة رطبًا جنيا فقال لها (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا).
(٢) كذا في المخطوطة بغير نقط، ولم نقف على هذه الرواية.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، قال: قال مجاهد (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) قال: النخلة.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عيسى بن ميمون، عن مجاهد، في قوله (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) قال: العجوة.
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عمرو بن ميمون، أنه تلا هذه الآية: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) قال: فقال عمرو: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، وأدخلت الباء في قوله: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) كما يقال: زوجتك فلانة، وزوّجتك بفلانة; وكما قال (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) بمعنى: تنبت الدهن.
وإنما تفعل العرب ذلك، لأن الأفعال تكنى عنها بالباء، فيقال إذا كنيت عن ضربت عمرا: فعلت به، وكذلك كلّ فعل، فلذلك تدخل الباء في الأفعال وتخرج، فيكون دخولها وخروجها بمعنى، فمعنى الكلام: وهزِّي إليك جذع النخلة، وقد كان لو أن المفسرين كانوا فسروه وكذلك: وهزِّي إليك رطبًا بجذع النخلة، بمعنى: على جذع النخلة، وجها صحيحا، ولكن لست أحفظ عن أحد أنه فسره كذلك. ومن الشاهد على دخول الباء في موضع دخولها وخروجها منه سواء قول الشاعر:
| بِوَادٍ يَمانٍ يُنْبِتُ السِّدْرَ صَدْرُهُ | وأسْفَلُهُ بالمَرْخِ والشَّبَهانِ (١) |
... البيت. قال ابن بري قال أبو عبيدة: البيت للأحول اليشكري. واسمه يعلى. قال: وتقديره: وينبت أسفله المرخ. على أن تكون الباء زائدة.
وإن شئت قدرته: وينبت أسفله بالمرخ، فتكون الباء للتعدية. لما قدرت الفعل ثلاثيا. وفي الصحاح: الشبهان: هو الثمام من الرياحين. و (في اللسان: شث) الشث: ضرب من الشجر عن ابن دريد، وأنشد البيت: * بواد يمان ينبت الشث فرعه *
إلخ. وقيل: الشث: شجر طيب الريح، مر الطعم، يدبغ به. قال أبو الدقيش: وينبت في جبال الغور وتهامة ونجد. والبيت شاهد على أن الباء في قوله " بالمرخ " زائدة، دخولها كخروجها وهي مثل الباء في قوله تعالى: (وهزي إليك بجذع النخلة). قال في (اللسان: هز) الهز: تحريك الشيء، كما تهز القناة، فتضطرب وتهز. وهزه يهزه هزا وهز به، وفي التنزيل العزيز: (وهزي إليك بجذع النخلة) أي حركي. والعرب تقول: هزه وهز به إذا حركه. ومثله: خذ الخطام، وخذ بالخطام، وتعلق زيدا وتعلق بزيد. قال ابن سيده: وإنما عداه بالباء، لأن في هزي معنى جري، (أمر من الجر).
حدثني بذلك أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن جرير بن حازم، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقرؤه كذلك، وكأنه وجه معنى الكلام إلى: وهزِّي إليك بجذع النخلة يتساقط الجذع عليك رطبًا جنيا.
ورُوي عن أبي نهيك أنه كان يقرؤه (تُسْقِطُ) بضمّ التاء وإسقاط الألف.
حدثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نَهِيك يقرؤه كذلك، وكأنه وجه معنى الكلام إلى: تسقط النخلة عليك رطبًا جنيا.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن هذه القراءات الثلاث، أعني (تَسَّاقَطُ) بالتاء وتشديد السين، وبالتاء وتخفيف السين، وبالياء وتشديد السين، قراءات متقاربات المعاني، قد قرأ بكل واحدة منهن قرّاء أهل معرفة بالقرآن، فبأيّ ذلك قرأ القارئ فمصيب الصواب فيه، وذلك أن الجذع إذا تساقط رطبًا، وهو ثابت غير مقطوع، فقد تساقطت النخلة رطبًا، وإذا تساقطت النخلة رطبًا، فقد تساقطت النخلة بأجمعها، جذعها وغير جذعها، وذلك أن النخلة ما دامت قائمة على أصلها، فإنما هي جذع وجريد
وقوله: (جَنِيًّا) يعني مجنيا; وإنما كان أصله مفعولا فصرف إلى فعيل; والمجني: المأخوذ طريا، وكل ما أخذ من ثمرة، أو نقل من موضعه بطراوته فقد اجتني، ولذلك قيل: فلان يجتني الكمأة; ومنه قول ابن أخت جذيمة:
| هَذَا جَنَايَ وخِيارُهُ فِيهِ | إذْ كُلُّ جانٍ يَدُهُ إلى فِيهْ (١) |
أي خياره. أه. وقال: وجنيت الثمر أجنيتها واجتنيتها: بمعنى. ابن سيده: جني الثمرة ونحوها وتجناها، كل ذلك: تناولها من شجرتها وعلى هذا استشهد المؤلف بالبيت.