الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني

عن الكتاب
لما نهى الشَّرك الخفيّ أعقبه بقصَّة من كان يُخفي مناجاته حذَرًا من ذلك، وذكر ما أنعم الله عليه بسبب ذلك فقال: ﴿كۤهيعۤصۤ﴾: كمـــا مـــرَّ، هذا المتلوُّ ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ﴾: مفعول الرحمة.
﴿زَكَرِيَّآ * إِذْ نَادَىٰ﴾: دَعَا ﴿رَبَّهُ نِدَآءً﴾: دُعَاءً ﴿خَفِيّاً﴾: للإخلاص ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ﴾: ضعفَ ﴿ٱلْعَظْمُ مِنِّي﴾: وهو دعامةُ البدن فغيره أولى ﴿وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ﴾: منَّي ﴿شَيْباً﴾: شبه بالنار في بياضه وإنارته ثم باشتعالها في انتشاره في الشَّعر، و أسند إلى ما كان الشعر مبالغة.
﴿وَلَمْ أَكُنْ﴾: قبل.
﴿بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾: خائباً، بل كنت مجاباً، وهذا الذي أطعمني فيه.
﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾: عصبتي، أن لا يحسنوا الخلافة.
﴿مِن وَرَآءِى﴾: بعد موتي، إذْ كانو من الشرار.
﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾: لا تلدُ ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ﴾: مخترعا منك بلا سبب.
﴿وَلِيّاً﴾: من صُلْبي ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾: بن إسحاق، أو أخي زكريا، أو عمران، يرث العلم والنبوة، إذا النبيُّ لا يورثُ، ب " من " في الثاني لنبوة بعضهم ﴿وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾: مرضيا عند الكلِّ فأجابه وقال: ﴿يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾: شبيها إذا ما هم بمعصية أو لم يُسَمَّ به أحد.
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ﴾: كيف.
﴿يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾: يبسا في المفاصل، يعني: أَتهبني مع الشيخوخة والفقر، أو تردنا إلى حالة أُخْرى ﴿قَالَ﴾: المبشر: نهبك ﴿كَذٰلِكَ﴾: بلا تغيير.
﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾: يسير.
﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾: أفهم أن المعدوم ليس بشيء.
﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾: علامةً لوقوعه ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾: مع أيامها.
﴿سَوِيّاً﴾: في الخلق بلا نحو خَس أوْ: كاملاتٍ، فلمَّا حملت أصبح لا يقدر على التكلم مع قدرته على قراءة التوراة.
﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾: مصلاه أو غرفته.
﴿فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾: أشار إليهم.
﴿أَن سَبِّحُواْ﴾: صلُّوا ﴿بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾: طرفي النهار، ولما وهب وبلغ الفهم قال الله تعالى له: ﴿يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ﴾: التوراة.
﴿بِقُوَّةٍ﴾: بجد.
﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ﴾: النبوة أو الحكمة وفهم التوراة.
﴿صَبِيّاً﴾: له سبع سنين أو ثلاث.
﴿و﴾: آتيناه.
﴿حَنَاناً﴾: رحمة.
﴿مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً﴾: طهارة من المعاصي.
﴿وَكَانَ تَقِيّاً﴾: ما أذنب وما همَّ بذَنْبٍ ﴿وَ﴾: كان ﴿بَرّاً﴾: كثير البر.
﴿بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً﴾: متكبراً ﴿عَصِيّاً﴾: عاصيا.
﴿وَسَلاَمٌ﴾: من الله.
﴿عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾: من مس الشيطان.
﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾: من عذاب القبر.
﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ﴾: من أهوال القيامة.
﴿حَياً﴾: خصها لأنها أوْحشَ أحوالنا ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾: القرآن، قصَّة ﴿مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ﴾: دون القوم ﴿مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً﴾: من المسجد الآقصى للعبادة ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ﴾: دون القوم ﴿حِجَاباً﴾: استترت منهم لتغتسل من الحيض.
﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾: جبريل.
﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا﴾: بعد لبسها ثيابها ﴿بَشَراً﴾: إنسانا.
﴿سَوِيّاً﴾: تامًّا تمثل شابًّا أمرد لتستأنس به ﴿قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾: فكيف إذا لم تتق.
﴿قَالَ﴾: جبريل.
﴿إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ﴾: لأتسبب في هبة الله لك.
﴿غُلاَماً زَكِيّاً﴾: طاهرا و لا يلزم منه نبوتها، فإنه ليس وحي رسالة فيمكن في غير النبي وكذا قال مقاتل في أم موسى إنها أوحى إليها جبريل ﴿قَالَتْ أَنَّىٰ﴾: كيف.
﴿يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي﴾: يباشرني.
﴿بَشَرٌ﴾: ناكحا.
﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾: زانية ولا تاءَ فيه لأنه مبالغة أو نسبة، وفيه ما في قصة زكريا.
﴿قَالَ﴾: يبهك الولد ﴿كَذٰلِكَ﴾: بلا مس بشر ﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ﴾: وهب غلام بلا أبٍ ﴿عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾: يسير.
﴿وَ﴾: نهبك ﴿لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ﴾: على الكمال قدرتنا.
﴿وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾: على العباد بهدايته.
﴿وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً﴾: في علم الله تعالى، فنفخ في جيبها بحيث وَصلتْ فرجها ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾: ثمانية أشهر إرهاصًا لعيسى إذ لا يعيشُ مولود ثمانية أشهر ﴿فَٱنْتَبَذَتْ﴾: اعتزلت به ملتبسةً بالحمل ﴿مَكَاناً قَصِيّاً﴾: بعيداً، مخافة أن لا يعيش ﴿فَأَجَآءَهَا﴾: جاء لها أو ألجأها.
﴿ٱلْمَخَاضُ﴾: وجع الولادة ﴿إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ﴾: لتعتمد عليه في الولادة.
﴿قَالَتْ﴾: استحياءً ومخافةً ﴿يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا﴾: الأمر.
﴿وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾: شيئا شأنه أن يُنسى، أو ما يرمى بهِ ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ﴾: عيسى أو جبريل إذ كان كالقابلة لها ﴿أَلاَّ تَحْزَنِي﴾: سلاها بظهور معجزتين يلان على عصمتها ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾: نهراً أو سيدا.
﴿وَهُزِّىۤ﴾: أميلي.
﴿إِلَيْكِ بِجِذْعِ﴾: جذع ﴿ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ﴾: تتساقط النخلة.
﴿عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾: غضَّا، كانت نخلة يابسة بلا رأسٍ فلمَّا هزتها أثمرت في غير أوانه.
﴿فَكُلِي﴾: من الرطب.
﴿وَٱشْرَبِي﴾: من النهر أو عصيره.
﴿وَقَرِّي عَيْناً﴾: طيبي نفسك من القر البرد، فإن دَمعة السرور باردة ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾: إن ترى ﴿مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً﴾: يسألك عن ولدك.
﴿فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً﴾: وكان يجب الصَّمت فيه، أو صمتا ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾: أي: بعد ذلك، أو قولي بالاشارة، فإن ولدك يكفيهم جوابــــا.
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾: فلما رأوه.
﴿قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾: بديعاً منكراً ﴿يٰأُخْتَ هَارُونَ﴾: جَدّها فهو مثل: يا أخا تميم، أو صالح من بني إسرائيل تبع جنازته أربعون ألفا كلهم يسمى هارون سوى سائر الناس، أي، يا أخته صلاحا.
﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾: زانيا.
﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾: زانية.
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾: إلى عيسى أن كلموهُ ﴿قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَان﴾: وجد.
﴿فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ﴾: عيسى.
﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾: الإنجيل، قيل: درسه في بطن أمه أو التوراة.
﴿وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً﴾: نفَّاعًا ﴿أَيْنَ﴾: حيث ﴿مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي﴾: أمرني.
﴿بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾: إن ملكت شيئا أو تطهير النفس.
﴿مَا دُمْتُ حَيّاً﴾: وتأخير التكليف في غيره إلى البلوغ لترقب عقله، وهو ولد تام العقل، بل قيل: استنبئ حينئيذ ﴿وَ﴾: جعلني ﴿بَرّاً﴾: بارا ﴿بِوَٰلِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً﴾: متكبرا ﴿شَقِيّاً﴾: عاصياً ﴿وَٱلسَّلاَمُ﴾: عرَّفه للعهد، ولا يضر كونُ الاول من الله لاتحادهما ماهيَّةً ﴿عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ﴾: من مسِّ الشيطان ﴿وَيَوْمَ أَمُوتُ﴾: من سوء الخاتمة ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾: من أهوال القيامة ﴿ذٰلِكَ﴾: الموصوف.
﴿عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾: لا كما يصفه النصارى ﴿قَوْلَ﴾: كلمة.
﴿الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾: عند اليهود ساحر، وعند النصارى أبن الله ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾: تنزيهه عن ذلك.
﴿إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾: فبليحتاج في اتخاذ ولد إلى إحبال أنثى.
﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا﴾: الطريق ﴿صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾: فسر مرة ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ﴾: اليهود والنصارى، أو فرق النصارى كما مرَّ ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾: بين الناس.
﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَد﴾: شهود هول.
﴿يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: القيامة.
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾: ما أسمعهم وما أبصرهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾: ولا ينفعهم حينئذ.
﴿يَأْتُونَنَا لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي﴾: الدنيا.
﴿ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾: لا يسمعون الحق ولا يبصرونه.
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾: للمسيء على الإساءة، والمحسن على الإحسان.
﴿إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾: أمر القيامة.
﴿وَهُمْ﴾: الآن.
﴿فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَ﴾ بفناء كلهم وبقائنا.
﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾: للجزاء،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى